خامسًا: نفي شبهة توحيد العرب لأغراض سياسية
Article Summary
هذه الشبهة تنطوي على جهل عميق بطبيعة الدعوة النبوية وما واجهته من تحديات. فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم يريد توحيد العرب تحت رايته لأسباب قومية أو سياسية، لسلك أيسر الطرق وأقربها لقلوب العرب، لكنه فعل العكس تمامًا.
بدأ دعوته بهدم كل ما يعتز به العرب ويتعصبون له. حارب آلهتهم التي توارثوها عن آبائهم قرونًا، وسفّه أحلامهم، وضلّل آباءهم. قال لهم إن أجدادهم في النار، وإن مآثرهم الجاهلية تحت قدميه. حرّم عليهم الخمر وهي مفخرتهم، والربا وهو عماد تجارتهم. أي جامع للعرب يبدأ بإثارة غضبهم جميعًا؟
ثم إن ادعاء النبوة ليس طريقًا سهلًا لجمع الناس كما قد يُتصور. فالعرب - رغم جاهليتهم - لم يكونوا سُذّجاً، بل كانوا أهل فطنة وذكاء. والدليل على سهولة كشف الكاذب أن العرب عرفوا كذب مسيلمة وسجاح والأسود العنسي فور ادعائهم النبوة.
ولو كان الأمر سهلاً كما يزعمون، لماذا لم يفعله أحد من ملوك العرب وزعمائهم؟ لماذا لم يدّع أبو سفيان النبوة ليجمع قريشًا؟ كانوا أقدر على ذلك وأحوج إليه من محمد اليتيم الفقير. لكنهم يعلمون أن ادعاء النبوة ليس لعبة، بل امتحان صعب ينكشف فيه الكاذب سريعًا.
ثم انظر كيف جمع محمد صلى الله عليه وسلم العرب. لم يجمعهم على عصبية قبلية أو مجد قومي، بل قال لهم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. جعل بلالًا الحبشي مؤذنًا، وصهيبًا الرومي من خاصته، وسلمان الفارسي من أهل بيته. أي توحيد عربي هذا الذي يساوي بين العربي والأعجمي؟
الرد على الاعتراضات المحتملة
"لكن النبي حقق مكاسب دنيوية فعلًا"
قد يقول قائل: "لكن النبي حقق بالفعل مكاسب دنيوية من القوة والنفوذ، فكيف تنفون ذلك؟"
والجواب: أننا لا ننفي أن النبي صلى الله عليه وسلم حقق قوة ونفوذًا، لكننا ننفي أن يكون هذا هو هدفه ومقصده. فهناك فرق بين من يطلب الدنيا لذاتها، ومن يحصل عليها وسيلة لتحقيق غاية أسمى.
والدليل على صدق نيته أنه عندما تمكّن من هذه القوة لم يستغلها لمصلحته الشخصية، بل سخّرها لخدمة الدعوة ونشر العدل وحماية المستضعفين.
"لكن هذا يمكن أن يكون تمثيلًا وخداعًا"
وقد يقول آخر: "لكن كل هذا الزهد يمكن أن يكون مجرد تمثيل وخداع للناس".
والجواب: أن هذا الاحتمال مستحيل من عدة وجوه:
أولًا: لا يمكن للإنسان أن يمثل دور الزاهد طوال حياته، في السر والعلن، مع أهله وأصحابه، دون أن تنكشف حقيقته.
ثانيًا: أن نساءه وأهل بيته - وهم أعرف الناس به - شهدوا بصدقه واختاروا البقاء معه على الشدة.
ثالثًا: أن خصومه الألداء، رغم حرصهم على كشف أي عيب فيه، لم يستطيعوا اتهامه بحب الدنيا أو طلب المال.