· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الوحي النبوي والطب الحديث - رد علمي على شبهة "هل كان النبي م

Article Summary

أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في سياق محاولاتهم للطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم شبهة تقول: "الأعراض التي تصفها المصادر الإسلامية عن حالة محمد أثناء الوحي - التعرق الشديد في البرد، احمرار الوجه، الثقل الشديد، سماع أصوات كصلصلة الجرس، رؤية كائنات لا يراها غيره، وأحيانًا السقوط مغشيًا عليه - كل هذه تتطابق مع أعراض صرع الفص الصدغي المعروفة طبيًا".

ويضيفون: "مرضى هذا النوع من الصرع يمرون بتجارب 'روحانية' مكثفة، ويسمعون أصواتًا يفسرونها دينيًا، ويشعرون بأحاسيس عميقة يظنونها رسائل إلهية. فلماذا نفترض تفسيرًا خارقًا للطبيعة (الوحي) بينما يوجد تفسير طبيعي علمي (الصرع) يفسّر جميع هذه الأعراض؟ أليس من الأرجح أن محمدًا كان مريضًا مخلصًا فسّر مرضه على أنه نبوة؟"

وهذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها علمية ومؤسسة على معرفة طبية، فإنها تقوم في حقيقتها على أخطاء منهجية جسيمة في التعامل مع النصوص التاريخية والحقائق الطبية، وعلى جهل واضح بطبيعة الوحي وكيفياته المتنوعة. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة علمية شاملة، نكشف فيها عن الأخطاء المنهجية والحقائق الغائبة.

الأخطاء المنهجية في الشبهة

الخطأ الأول: التعامل الانتقائي مع المصادر

إن أول خطأ منهجي فاضح يقع فيه أصحاب هذه الشبهة هو التعامل الانتقائي المكشوف مع المصادر الإسلامية، حيث يأخذون منها ما يظنون أنه يخدم غرضهم، ويتجاهلون ما يناقض شبهتهم.

فهؤلاء المشككون يواجهون معضلة حقيقية في مصادر أدلتهم: فإما أن تكون دعواهم مجردة من أي دليل، وحينئذ تُرفض تلقائيًا عند كل عاقل، لأن الدعاوى بلا براهين لا قيمة لها. وإما أن يزعموا أن لديهم أدلة، وهذه الأدلة لا يمكن أن تكون إلا من المصادر الإسلامية نفسها، لأنهم لم يعاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشاهدوا تلك الأحوال بأنفسهم.

وهنا يظهر التناقض الفاضح: فهل أخذ هؤلاء المشككون كل ما ورد في المصادر الإسلامية عن كيفيات الوحي؟ الجواب القاطع: لا! فلو أخذوا كل شيء لانهارت شبهتهم من أساسها، ولو تركوا كل شيء لما بقي لديهم أي دليل. لكن ما فعلوه حقًّا هو أنهم انتقوا ما يوافق هواهم وتجاهلوا ما يناقضه.

وهذا مثل شخص يحكم على راوٍ بأنه غير موثوق، ثم يقبل بعض رواياته ويرفض بعضها الآخر بلا معيار واضح! هذا بالضبط ما يفعله المشككون: يأخذون من المصادر الإسلامية ما يظنون أنه يخدم شبهتهم، ويتجاهلون من نفس المصادر ما يدحضها.

الخطأ الثاني: تجاهل تنوع صور الوحي

والخطأ المنهجي الثاني الخطير هو تجاهل التنوع الواضح في صور الوحي وكيفياته، والتركيز على صورة واحدة فقط مع إهمال الباقي.

فالمصادر الإسلامية نفسها تذكر صورًا متنوعة للوحي، منها:

أولًا: الوحي بواسطة الملك، وله صور:

ثانيًا: الوحي المباشر، وله صور:

فالمشككون يركزون فقط على حالة "صلصلة الجرس" ويتجاهلون كل الصور الأخرى! بل الأدهى أنهم يأخذون من أحاديث هذه الحالة ما يريدون ويتركون الباقي.

ولو كان الأمر مجرد مرض أو اختلاق، فلماذا هذا التنوع المذهل؟ ولماذا لم يدّع المسلمون أن القرآن كله نزل بأشرف طريقة وهي التكليم المباشر؟

الخطأ الثالث: الخلط بين الأعراض والأدلة

والخطأ المنهجي الثالث هو افتراض أن مجرد ظهور أعراض جسدية على شخص يكفي لتصديقه إذا ادعى النبوة، وهذا منطق معكوس وخطير.

فلو ادّعى شخص اليوم النبوة وهو مصاب بالصرع، وظهرت عليه نفس الأعراض التي يتحدثون عنها، هل سيصدقه الناس لمجرد هذه الأعراض؟ بالطبع لا! لأن العقلاء يعلمون أن الأعراض الجسدية وحدها لا تثبت صدق دعوى بهذا الحجم.

إن من يدّعي النبوة وتظهر عليه هذه الأعراض لا يخرج عن حالتين: الأولى: كاذب متعمد يعلم أن ما به مجرّد مرض، لكنه يستغله لخداع الناس، وهذا أكذب الكاذبين. الثانية: مريض واهم يظن بسبب مرضه أنه نبي، وهذا أجهل الجاهلين.

والناس لن يلتبس عليهم أكذب الكاذبين بأصدق الصادقين، ولن يلتبس عليهم أيضًا حال أجهل الجاهلين. فلو كان الأمر كما يزعم المشككون، لأصبح كل مريض صرع مؤهلًا لادعاء النبوة، ولأصبح بإمكان أي معارض أن يحاكي نفس الأعراض ويدّعي النبوة أيضًا.