متى يكون الخلق ظلمًا؟
Article Summary
ولنسأل سؤالًا مهمًّا جدًّا يقطع الطريق على هذه الشبهة: متى يكون الله تعالى ظالمًا في إيجاده للإنسان؟ ومتى يصح القول بأن الخلق دون استئذان ظلم؟
الجواب واضح: يكون ذلك لو أوجده ليعذبه بلا ذنب اقترفه، أو لو كلفه بما لا يطيق من الأعمال، أو لو لم يعطه وسائل الهداية والنجاة، أو لو حاسبه على ما لم يختره بإرادته.
العدل الإلهي الواضح
أما إذا أوجده ليختبره اختبارًا عادلًا، وأعطاه العقل السليم والإرادة الحقيقية، وأرسل إليه الرسل الكرام، وبيّن له طريق الخير وطريق الشر بوضوح تام، ثم وعده بالجنة إن أطاع والنار إن عصى، وفتح له باب التوبة على مصراعيه، فأين الظلم في هذا كله؟
إن العقل الصريح والفطرة السليمة يشهدان بأن هذا عين العدل، بل هو أعلى درجات العدل والحكمة والرحمة.
ما أعطاه الله للإنسان
لننظر بإنصاف إلى ما أعطاه الله تعالى للإنسان:
العقل الراجح ليميّز به بين الحقّ والباطل، والخير والشرّ، والنافع والضار، والصحيح والخاطئ.
الإرادة الكاملة ليختار بها طريقه في الحياة دون إجبار أو إكراه من أحد، فهو مختار بين الإيمان أو الكفر، الطاعة أو المعصية.
الرسل والكتب السماوية لتهديه إلى الصراط المستقيم، وتوضح له معالم الطريق، وتحذره من مزالق الانحراف.
الوعد الصادق بالجنة ونعيمها الأبدي إن أحسن، وبالنار وعذابها إن أساء، وهذا تحفيز قوي للخير وردع عن الشر.
الفرص المتكررة للتوبة والإصلاح والعودة إلى الحقّ، فباب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها.
النعم الظاهرة والباطنة التي لا تُعد ولا تُحصى، من الصحة والرزق والأمان وغيرها الكثير.
أين الظلم إذن؟
فإذا اختار الإنسان بعد كل هذا البيان والعطاء طريق الشر بإرادته، وأصر على المعصية والكفران، وأعرض عن الهداية والإيمان، فعلى من يقع اللوم؟ وأين الظلم في معاقبة من اختار المعصية على الطاعة، والضلالة على الهداية، والإصرار على التوبة؟
إن العدل يقتضي أن يُجازى كل إنسان بما اختار واكتسب، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.
حكم عظيمة في عدم الاستئذان قبل الخلق
الحكمة في طبيعة العبودية
إن من الحكم العظيمة في عدم استئذان المخلوق قبل خلقه أن هذا يحقق حقيقة العبودية والخلق على أكمل وجه. فالعبد الحقيقي هو الذي يسلم لسيده في كل شيء، ولا يعترض على تصرفاته أو يشترط عليه شروطًا.
فلو كان الإنسان شريكًا لله في قرار خلقه، لما كان عبدًا حقيقيًا، بل لكان شريكًا أو ندًّا. والعبودية الحقة تقتضي التسليم الكامل للخالق في جميع أفعاله وقراراته.
إظهار كمال الملكية الإلهية
كما أن عدم الاستئذان يظهر كمال ملكية الله تعالى وسلطانه المطلق، فهو الملك الحق الذي لا يحتاج لاستئذان أحد في ملكه، ولا يخضع لإملاءات أو شروط من مخلوقاته.
تحقيق الامتحان الحقيقي
ولو كان الإنسان قد وافق على الخلق مسبقًا، لما كان هناك امتحان حقيقي في الدنيا، إذ يمكنه أن يقول: "أنا وافقت على الخلق بشرط كذا وكذا، فيجب أن تنفذوا لي ما اشترطت". فالامتحان الحقيقي يكون بالخضوع للشروط التي وضعها الخالق، لا التي وضعها المخلوق.
نعمة الوجود التي يتجاهلها المعترضون
الوجود نعمة عظيمة
إن أول ما يتجاهله أصحاب هذه الشبهة هو أن الوجود نفسه نعمة عظيمة من الله تعالى. فقد أخرجنا الله من العدم إلى الوجود، ومن الظلمات إلى النور، ومن اللاشيء إلى الشيء. وهذه نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا من تأمل فيها بعمق.
فلو سألنا أي إنسان عاقل: "هل تفضل أن تكون موجودًا أم معدومًا؟ هل تفضل أن تحيا أم ألا تُخلق أصلًا؟" فماذا سيكون جوابه؟
إن الغالبية العظمى من الناس، حتى في أصعب ظروفهم، يختارون الحياة على العدم، والوجود على اللاوجود. وهذا دليل على أن الوجود نعمة يقدرها الإنسان في أعماقه.
الشكوى في لحظات الضعف
إن هذه الشبهة تولد عادة في لحظات الضعف واليأس والألم، وتختفي عندما يعود الإنسان إلى رشده وصحته النفسية، ويتذكر نعم الله العظيمة عليه.
فكم من إنسان تمنى الموت في لحظة ألم، ثم شكر الله على الحياة عندما زال الألم! وكم من إنسان اعترض على القدر في ساعة بلاء، ثم حمد الله على حكمته عندما ظهرت له الحكمة!
خاتمة: الحقيقة الناصعة
وهكذا تنهار هذه الشبهة الواهية أمام المنطق السليم والتفكير الصحيح والنظر العادل في حقيقة الأمور.
فقد تبين أن أساسها خطأ كبير في فهم حقيقة الخالق والمخلوق، إذ الخالق سبحانه له الحق المطلق في خلق عباده كيف شاء ومتى شاء، وليس للمخلوق أن يشترط على خالقه أو يفاوضه في قراراته.
وظهر أن الإنسان لو خُيّر فعلًا لاختار الحياة بلا تردد، خاصة إذا علم ما ينتظره من النعيم المقيم إن أطاع ربه وسلك الصراط المستقيم.
وتبين أن المشكلة الحقيقية ليست في عدم الاستئذان قبل الخلق، بل في جهل الإنسان أحياناً بحكمة الله البالغة وعدله الكامل ورحمته الواسعة.
إن الله تعالى أوجدنا لحكمة عظيمة وغاية نبيلة، وأعطانا العقل والهداية والإرادة، وبيّن لنا الطريق بأوضح بيان، ووعدنا بالجنة إن أطعناه. فأي عدل أعظم من هذا؟ وأي رحمة أوسع من هذه؟
وما هذه الشبهة إلا من وساوس الشيطان ونزغاته، ليصد الإنسان عن شكر نعمة الوجود العظيمة، والسعي الجاد لنيل رضا الله والفوز بجنته والنجاة من ناره.
فالحمد لله الذي أوجدنا من العدم، وهدانا من الضلال، وأكرمنا بالعقل والإيمان، ووعدنا بالجنة إن استقمنا على طريقه. نسأله سبحانه أن يزيدنا شكراً لنعمه، وصبراً على بلائه، ورضاً بقضائه، وتسليماً لحكمته.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحكمة الإلهية في خلق الإنسان مختارًا - رد علمي على شبهة "لو أراد الله إدخال الناس الجنة لخلقهم فيها مباشرة"
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في حكمة الله تعالى وعدله قولهم: "لو كان الله يريد فعلًا أن يدخل عباده الجنة لخلقهم في الجنة مباشرة. ووجود هذه الدنيا والابتلاء فيها يعني أن الله خلق بعض الخلق ليعذبهم، وهذا يتعارض مع الرحمة والعدل الإلهي".
وهذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها تحمل نوعًا من المنطق، فإنها تقوم في حقيقتها على فهم خاطئ لطبيعة الكمال الإلهي، وعلى تجاهل للحكمة العظيمة من خلق الإنسان مختارًا، وعلى عدم فهم للعدالة الحقيقية التي تقتضي المجازاة على الأعمال. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة علمية متأنية، نكشف فيها عن مواطن الخلل في هذا الاستدلال.
الخطأ المنهجي الأساسي في الشبهة
افتراض خاطئ لا دليل عليه
إن الخطأ في هذه الشبهة يكمن في افتراض أساسي خاطئ لا دليل عليه، وهو أن كمال الله تعالى ورحمته وعدله تتطلب حتمًا أن يُدخل عباده الجنة مباشرة دون أي ابتلاء أو اختبار أو تكليف.
وهذا مجرد توهم وظن لا أساس له من الصحة، فلا يوجد تلازم منطقي أو عقلي بين الكمال الإلهي المطلق وبين هذا الأمر أصلًا. بل إن الحكمة الإلهية البالغة قد تقتضي أمورًا أخرى أعمق وأحكم مما يتصوره العقل البشري المحدود.
مثال يوضّح سقوط الافتراض
ولنضرب مثالًا بسيطًا من واقع الحياة يوضح سقوط هذا الافتراض: هل نقول عن الأب الحكيم العادل الرحيم إنه ناقص المحبة أو العدل لأنه لا يعطي طفله كل ما يطلب؟ هل نقول عنه إنه قاسٍ لأنه يضع لولده قواعد وحدودًا يجب عليه احترامها؟ هل نقول عنه إنه غير عادل لأنه يكافئ ولده عند الطاعة ويؤدبه عند العصيان؟
بالطبع لا، بل العقل السليم يدرك أن الرحمة الحقيقية والعدل الصحيح لا يعني إجابة كل طلب أو تحقيق كل رغبة دون ضوابط أو شروط. فالأب الحكيم يربي ولده تربية متدرجة، ويعلمه تحمل المسؤولية، ويختبر صدقه وإخلاصه، ويجازيه بحسب سلوكه وأعماله.
فكذلك كمال الله تعالى -ولله المثل الأعلى- لا يتطلب إدخال جميع الناس الجنة مباشرة دون تمييز أو اختبار أو استحقاق. بل الكمال الحقيقي يقتضي العدل في المجازاة، والحكمة في التدبير، والرحمة المقترنة بالعدل.
بناء الباطل على الباطل
إن هذه الشبهة تقوم على افتراض باطل أولًا، ثم تبني عليه استنتاجًا خاطئًا ثانيًا، وهذا هو أساس الخطأ المنهجي فيها. فهي تفترض أولًا أن كمال الله يوجب إدخال الناس الجنة مباشرة، ثم تستنتج ثانيًا أن عدم حدوث ذلك يدل على نقص في الرحمة أو العدل الإلهي. وكلا الافتراض والاستنتاج خاطئان.
الإنسان مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله
الاختيار نعمة عظيمة
إن النقطة الثانية المهمة في الرد على هذه الشبهة تتعلق بحقيقة مهمة، وهي أن الله تعالى قد أكرم الإنسان بأعظم نعمة وهي الاختيار والإرادة. وبهذه النعمة العظيمة يتحمل الإنسان مسؤولية كاملة عن أقواله وأفعاله واختياراته.
فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مختارًا، وأعطاه العقل السليم ليميز به بين الخير والشر، والحق والباطل، والنافع والضار. كما أعطاه الإرادة القوية ليختار بها بين طريق الطاعة وطريق المعصية، وبين سبيل الهداية وسبيل الضلالة.
البيان الإلهي الواضح
وليس هذا فحسب، بل إن الله تعالى لم يترك الإنسان في حيرة أو ظلمة، بل أرسل إليه الرسل الكرام وأنزل الكتب السماوية لتبين له طريق الهدى من طريق الضلال، وتوضح له معالم الصراط المستقيم، وتحذره من مسالك الانحراف والغواية.
يقول الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]، أي بينا له طريق الخير وطريق الشر بوضوح تام، ولم نتركه في شك أو التباس. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، أي عرفناه الطريق الصحيح، وبقي الخيار له في السلوك.
ويقول تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهذا تقرير واضح لحقيقة الاختيار التي أكرم الله بها الإنسان.
العدالة في المجازاة
إذن فالإنسان هو الذي يختار طريقه بإرادته، والله تعالى يجازي كل إنسان بحسب اختياره وعمله بعدل مطلق لا ظلم فيه. فمن اختار الإيمان والعمل الصالح استحق الجنة جزاءً عادلًا لاختياره الحكيم. ومن اختار الكفر والمعصية والفساد بإرادته استحق العذاب جزاءً عادلًا لاختياره السيء.
وهكذا تظهر عدالة الله المطلقة في أبهى صورها، حيث يُجازى كل إنسان بما يستحقه تمامًا بناءً على اختياره وعمله. فلا ظلم لأحد ولا محاباة لأحد، بل العدل الخالص والمجازاة بالاستحقاق.
فالملوم الوحيد على دخول النار هو الإنسان نفسه، لا ربه الحكيم العادل حين يعاقبه على إعراضه الاختياري عن سبل الخير وإصراره على طرق الشر والفساد.