مشكلة أصحاب الشبهة: التعامي عن الواقع
Article Summary
سؤال محرج للمشككين
ولنفترض جدلًا أن الله تعالى أدخل جميع البشر الجنة قبل أن يولدوا في هذه الدنيا أو يُختبروا فيها، فكيف يستقيم هذا الأمر وأنت تعلم الآن من الواقع المشاهد أن في الناس الظالم المتجبر والقاتل السفاح والمجرم المفسد واللص السارق والمحتال الكذاب؟
فهل من العدل والحكمة أن يدخل هؤلاء المجرمون والفاسدون الجنة مع الأنبياء الكرام والصالحين الأبرار والشهداء والصديقين؟ هل هذا هو العدل الذي تطالبون به؟ أم أن هذا هو عين الظلم والجور؟
محاولة التهرب وما تؤدي إليه
هنا قد يقول المشكك محاولًا التهرب من هذا الإشكال المحرج: "إذن ليجعلهم الله كلهم أخيارًا صالحين من البداية، فلا يوجد في الخلق ظالم ولا مجرم".
لكن هذا الكلام يحمل مشكلة خطيرة جدًّا لا يدركها قائله، فهو يعني في حقيقته أن الله يسلب الناس الاختيار نهائيًا، ويجبرهم على الخير إجبارًا كاملًا، ويمنعهم من إمكانية اختيار الشر منعًا مطلقًا.
وحينئذ لن يكون الإنسان إنسانًا حقيقيًا، بل سيصبح كالآلة المسيرة أو الروبوت المبرمج الذي لا يملك إرادة حقيقية ولا اختيارًا فعليًا. سيصبح كالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن بلا اختيار حقيقي.
إلغاء الإنسانية نفسها
إن هذا الطلب في حقيقته طلب غريب لإلغاء الإنسانية نفسها، وتحويل البشر إلى كائنات أخرى مختلفة تمامًا لا تملك ما يميّز الإنسان وهو الاختيار والإرادة.
فنحن إذن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نقول إن البشر قادرون على فعل الخير والشر معًا وقادرون على الاختيار بينهما، وإما أن نقول إنهم غير قادرين على ذلك ومجبرون على الخير فقط.
أيهما أكمل؟
والأكمل بلا أدنى شك هو الخيار الأول وليس الثاني، وذلك لأن الذي يفعل الخير مع قدرته الكاملة على فعل الشر أكمل وأفضل بمراحل كثيرة ممن يفعل الخير لعجزه التام عن فعل الشر.
فالأول فعل الخير عن رغبة حقيقية واختيار صادق ومحبة أصيلة، بينما الثاني لا يدل في الواقع على أنه راغب في الخير أو محب له، بل مجبر عليه إجبارًا.
ومثال هذا كمثل طالب يذاكر دروسه ويجتهد في دراسته مع قدرته الكاملة على اللعب مع زملائه وقضاء الوقت في المتعة واللهو. فإن هذا الطالب أكمل وأفضل بكثير ممن يذاكر دروسه لعجزه الكامل عن أي خيار آخر، كأن يكون محبوسًا في مكتبة لا يستطيع الخروج منها.
فالطالب الأول اختار الجد والاجتهاد بإرادته الحرة وقناعته الذاتية، بينما الثاني مجبر على ذلك إجبارًا كاملًا.
الحكمة الإلهية في خلق الإنسان مختارًا
تحقيق العبودية الحقة
إن من أعظم الحكم الإلهية في خلق الإنسان مختارًا، ووضعه في دار ابتلاء واختبار، هو تحقيق العبودية الحقة الكاملة لله تعالى. فالعبودية الحقيقية الكاملة لا تتحقق إلا من خلال الاختيار والإرادة.
فعندما يختار الإنسان طاعة الله تعالى مع قدرته على معصيته، ويختار حبه مع إمكانية إعراضه عنه، ويختار شكره مع قدرته على كفرانه، فإن هذا الاختيار يحقق أعلى درجات العبودية وأكملها.
أما لو كان الإنسان مجبورًا على الطاعة إجبارًا كاملًا، فإن هذا لا يحقق العبودية الحقة، بل يكون كعبودية الجمادات والنباتات التي تسبح الله بلا اختيار منها.
إظهار كمال العدل الإلهي
ومن الحكم العظيمة أيضًا إظهار كمال العدل الإلهي في أجلى صوره وأوضحها، حيث يُجازى كل إنسان بما اختار واكتسب بمسؤوليته الكاملة. فالمؤمن الصالح يُجازى بالجنة بعد أن اختار طريق الإيمان والعمل الصالح بإرادته، والكافر العاصي يُجازى بالنار بعد أن اختار طريق الكفر والمعصية.
وهكذا يظهر العدل الإلهي المطلق في أكمل صوره، حيث لا يُظلم أحد مثقال ذرة، ولا يُحاسب أحد على ما لم يختره، ولا يُعاقب أحد على ما أُجبر عليه.
تنوع درجات الثواب والجزاء
ومن الحكم أيضًا أن الاختبار والابتلاء يؤدي إلى تنوع درجات الثواب والجزاء في الآخرة، بحسب مستوى الاستجابة والصبر والثبات. فالذي يصبر على الابتلاء ويثبت على الحق في الشدة أعظم أجرًا ممن لم يُختبر. والذي يجاهد نفسه ويقاوم الشهوات أعلى درجة ممن لم يواجه هذا الصراع.
وهكذا تتنوع المنازل في الجنة بحسب تنوع الأعمال والابتلاءات، مما يحقق العدالة الكاملة في المجازاة.
حكم أخرى للابتلاء والاختبار
تربية النفس وتزكيتها
إن الابتلاء والاختبار في هذه الدنيا له دور عظيم في تربية النفس الإنسانية وتزكيتها وتطهيرها من الرذائل والنقائص. فالإنسان يكتشف قوته الحقيقية وضعفه الطبيعي من خلال التجارب، ويتعلم الصبر والثبات والتوكل على الله من خلال المحن والصعوبات.
ولولا هذه التجارب والاختبارات، لما نضجت شخصية الإنسان ولما تطورت قدراته الروحية والأخلاقية. فالذهب الخالص لا يظهر إلا بعد تعريضه للنار، والجوهرة الثمينة لا تبرز إلا بعد صقلها وتهذيبها.
تحقيق التوازن الكوني
ومن الحكم أيضًا تحقيق التوازن الكوني العادل، حيث توجد قوى الخير وقوى الشر في صراع مستمر، مما يحقق الحكمة في التدافع بين الناس. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
فهذا التدافع بين قوى الخير والشر يمنع طغيان أي فريق، ويحفظ التوازن العام في الحياة.
إظهار أسماء الله وصفاته
كما أن وجود الخير والشر، والطاعة والمعصية، والإيمان والكفر، يُظهر أسماء الله تعالى وصفاته العظيمة في تنوعها وكمالها. فيظهر اسمه الغفار مع التائبين، والرحيم مع المؤمنين، والعادل مع الظالمين، والحكيم في تدبير الجميع.
ولولا هذا التنوع في أحوال البشر وأعمالهم، لما ظهرت هذه الأسماء والصفات في تنوعها وكمالها.
خاتمة: سقوط الشبهة من أساسها
وهكذا تنهار هذه الشبهة من أساسها، وتسقط من جذورها أمام التحليل العقلي والنظر الشرعي. فقد تبيّن لنا أنها تقوم على افتراض باطل لا دليل عليه، وهو وجود تلازم بين كمال الله تعالى وإدخال الناس الجنة مباشرة دون ابتلاء، وهذا محض توهم وظن لا أساس له من الصحة.
كما تبين أن الله تعالى قد أكرم الإنسان بالاختيار الحقيقي، فهو مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله واختياراته، يُجازى بالخير إن أحسن اختياره، وبالشر إن أساء اختياره.
وأخيراً تبين أن تطبيق ما تطلبه هذه الشبهة يؤدي إلى أمور مستحيلة ومتناقضة، وهي سلب الإنسان إرادته، وتحويله إلى آلة مسيرة لا تملك اختيارًا، وقبل ذلك التسوية غير العادلة بين الأخيار والأشرار.
إن الله تعالى في غاية الحكمة والعدل والرحمة، خلق الإنسان مختارًا كريمًا، وأعطاه العقل للتمييز والهداية للاختيار الصحيح، وجعل له الجزاء العادل الكامل بحسب اختياره وعمله. وما هذه الشبهة إلا وهم في أذهان المشككين، لا يصمد أمام المنطق السليم والتفكير الصحيح والفهم العميق لحكمة الله البالغة.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ﴿وَأَنَّ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤١].
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا لفهم حكمته البالغة، وأن يوفقنا لاستخدام إرداتنا فيما يرضيه، وأن يجعلنا من الذين اختاروا طريق الهداية والرشاد.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.