· · 4 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الكتب المقدسة الأخرى: التناقض الصارخ

Article Summary

والمفارقة تصل ذروتها عند النظر في الكتب المقدسة الأخرى. العهد القديم، أقدم مخطوطاته الكاملة (مخطوطات البحر الميت) تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بينما يُفترض أن موسى عليه السلام عاش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أي فجوة تزيد على ألف سنة. والعهد الجديد، أقدم مخطوطة شبه كاملة له (المخطوطة السينائية) تعود إلى القرن الرابع الميلادي، أي بعد المسيح عليه السلام بأكثر من ثلاثمائة سنة.

والأناجيل الأربعة لم يكتبها عيسى عليه السلام، ولا كتبها الحواريون المباشرون، بل كُتبت بعد عقود من رفع المسيح، بلغة غير لغته (اليونانية بدلًا من الآرامية)، ولا نعرف بالضبط من كتبها. ومع ذلك، يؤمن بها مئات الملايين من النصارى حول العالم، ولا يرون في ذلك إشكالًا.

السؤال الفاضح للازدواجية

فإذا كان هؤلاء المشككون يقبلون كل هذه المصادر رغم ضعف توثيقها الشديد، والفجوات الزمنية الهائلة، وقلة المخطوطات، وغياب سلاسل النقل، فلماذا يرفضون السنة النبوية التي:

أليس رفض مثل هذا الكتاب ازدواجية فاضحة؟ أليس هذا كيلًا بمكيالين؟ أم أن المسألة ليست علمية بل عقائدية، والهدف ليس البحث عن الحقيقة بل التشكيك في الإسلام خاصة؟

الخطأ الثاني: الجهل بفرادة علم الحديث في التاريخ البشري

والخطأ الثاني الفادح في هذه الشبهة هو الجهل التام بطبيعة علم الحديث وفرادته في التاريخ الإنساني. فأصحاب الشبهة يتعاملون مع السنة النبوية وكأنها مجرد تراث شفهي عادي، كالأساطير والحكايات الشعبية التي تتناقلها الأجيال دون ضابط أو رابط. وهذا جهل فاضح بحقيقة المنهج الإسلامي في حفظ السنة وتوثيقها.

نشأة مبكرة وليست متأخرة

خلافاً لما يظنه البعض، فإن الاهتمام بحفظ أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله بدأ في حياته، وليس بعد قرون من وفاته. فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يحفظون كلامه ويتناقلونه فيما بينهم، ويسألون عما فاتهم، ويتثبتون مما سمعوه.

عائشة رضي الله عنها كانت تُراجع الصحابة فيما ينقلونه، وتصحح لهم إذا أخطأوا. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطلب الشهود على الحديث أحيانًا للتثبت. وأبو بكر الصديق رضي الله عنه توقف في قبول حديث المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.

وفي عهد التابعين، تطور هذا المنهج أكثر. فكان الزهري (ت 124هـ) يقول: "كنا نكره كتابة العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا ألا نمنعه أحداً من المسلمين" [مصنف عبد الرزاق: 20486]. وهذا يعني أن التدوين المنظم بدأ في نهاية القرن الأول الهجري بأمر من عمر بن عبد العزيز.

علوم متخصصة لا مثيل لها

لقد طوّر المسلمون مجموعة من العلوم المتخصصة لخدمة السنة النبوية، لم تعرف البشرية لها مثيلاً:

علم الرجال: وهو علم يدرس أحوال الرواة من حيث الولادة والوفاة والشيوخ والتلاميذ والرحلات والأحوال. تخيل أن هناك كتباً كاملة مخصصة لدراسة حياة الرواة، مثل "تهذيب الكمال" للمزي في 35 مجلدًا، يترجم فيه لأكثر من 8000 راوٍ! كل راوٍ له ترجمة تفصيلية: اسمه الكامل، كنيته، لقبه، نسبه، تاريخ ولادته، تاريخ وفاته، البلدان التي زارها، الشيوخ الذين أخذ عنهم، التلاميذ الذين رووا عنه، أقوال العلماء فيه، درجته في الحفظ والضبط.

علم الجرح والتعديل: وهو علم يحكم على الرواة من حيث العدالة والضبط. وضع العلماء مراتب دقيقة للرواة: ثقة، صدوق، صدوق يهم، صدوق له أوهام، صدوق سيء الحفظ، ضعيف، متروك، كذاب، وضّاع. وكل مرتبة لها أحكامها الخاصة في قبول الرواية أو ردها.

علم علل الحديث: وهو من أدق العلوم وأصعبها، يكشف العلل الخفية في الأحاديث التي ظاهرها الصحة. فقد يكون الحديث رواته ثقات، لكن فيه علة خفية كالإرسال الخفي، أو الوقف، أو الإدراج، أو القلب، أو التصحيف. وهذا العلم يحتاج إلى ذكاء حاد وحفظ واسع ودراية عميقة.

علم مختلف الحديث: يعالج الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ويبين كيفية الجمع بينها أو الترجيح أو النسخ. وهذا يدل على دقة المحدثين في التعامل مع النصوص وعدم قبولها دون تمحيص.

علم غريب الحديث: يشرح الكلمات الصعبة والغامضة في الأحاديث، مما يدل على العناية الفائقة بفهم النص النبوي فهماً دقيقاً.

الإسناد: المعجزة التوثيقية

لكن أعظم ما ميّز المنهج الإسلامي هو نظام الإسناد، وهو ذكر سلسلة الرواة من المحدِّث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" [مقدّمة صحيح مسلم: 1/ 87]. وقال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟"[تاريخ حلب: 3/ 1041].

الإسناد يعني أن كل حديث له "شهادة ميلاد" كاملة، تتضمن أسماء جميع الذين نقلوه جيلًا بعد جيل. فمثلًا، عندما يقول البخاري: "حدثنا عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول..."، فهذه سلسلة كاملة من ستة أشخاص، كل واحد منهم معروف بالاسم والتاريخ والأحوال.

وهذا النظام فريد تماماً في تاريخ البشرية. لا توجد أمة أخرى عندها هذا النظام الدقيق في توثيق تراثها. حتى المستشرقون المنصفون اعترفوا بذلك.

الخطأ الثالث: إنكار قوة التواتر وحجيته القطعية

والخطأ الثالث الذي يقع فيه أصحاب هذه الشبهة هو عدم فهمهم لمعنى التواتر وقوته في إثبات الحقائق التاريخية. فهم يتصورون أن نقل الأخبار عبر الأجيال يشبه لعبة "الهاتف المكسور" حيث تتشوه الرسالة كلما انتقلت من شخص لآخر. وهذا تصور خاطئ تمامًا عندما يتعلق الأمر بالتواتر.

معنى التواتر وشروطه

التواتر في اصطلاح المحدثين هو أن يروي الخبر جمع كثير عن جمع كثير من أول السند إلى آخره، بحيث تُحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وأن يكون مستند خبرهم الحس (السماع أو المشاهدة) لا العقل المجرد.

فعندما يروي مائة صحابي نفس الحديث، وكل واحد منهم سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في مناسبة مختلفة، ثم ينقل كل صحابي هذا الحديث إلى عشرات من التابعين، وهؤلاء ينقلونه إلى مئات من تابعي التابعين، فإن احتمال الكذب أو الخطأ يصبح صفرًا عمليًا.