العصمة النبوية: تفكيك شبهة الذنوب المزعومة وكشف الحكمة الإله
Article Summary
أما بعد، فإن من أخطر الشبهات التي تُثار للطعن في مقام النبوة والتشكيك في عصمة الأنبياء: "كيف تزعمون أن الأنبياء معصومون والقرآن نفسه ينسب إليهم الذنوب صراحة؟
ها هو آدم يعصي ربه ويأكل من الشجرة: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾!
وموسى يقتل نفسًا ويعترف بظلمه: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾!
وداود يخرّ راكعًا مستغفرًا من ذنب! ويونس يهرب من قومه مغاضبًا!
ومحمد يُؤمر بالاستغفار من ذنبه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾، بل يقول الله له: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾!
أليست هذه اعترافات صريحة بأن الأنبياء يذنبون كغيرهم؟ فأين العصمة المزعومة؟
وإذا كان الأنبياء أنفسهم يخطئون ويذنبون، فكيف نثق فيما يبلغونه عن الله؟ أليس من الممكن أن يخطئوا في التبليغ كما أخطأوا في أفعالهم؟".
وهذه شبهة ماكرة تحتاج إلى تفكيك دقيق، يكشف الخلل في فهم معنى العصمة، ويُظهر الحكمة الإلهية البالغة فيما أذن الله بوقوعه من أنبيائه.
لكن هذه الشبهة - رغم أنها قد تبدو قوية ومستندة لآيات قرآنية - تنطوي على أخطاء فادحة في فهم مفهوم العصمة، وجهل عميق بالفرق بين أنواع الأفعال، وغفلة تامة عن الحكمة الإلهية في كل ما يقع من الأنبياء. فالنظرة السطحية التي تساوي بين كل ما يُسمى "ذنبًا" دون تمييز، وتتصور أن العصمة تعني تحويل البشر إلى ملائكة، تتجاهل حقائق قرآنية واضحة وحِكماً ربانية عظيمة.
الخطأ الأول: الجهل التام بحقيقة العصمة ومعناها
إن أول خلل منطقي في هذه الشبهة هو البناء على تصور خاطئ تمامًا لمعنى العصمة. فأصحاب الشبهة يتصورون أن العصمة تعني تحويل النبي إلى كائن ملائكي لا يخطئ ولا ينسى ولا يجتهد ولا يختار الأولى على غير الأولى. وهذا تصور ساذج يتناقض مع صريح القرآن.
العصمة لا تنافي البشرية
القرآن الكريم أكّد مرارًا وتكرارًا على بشرية الأنبياء:
- ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]
- ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: 11]
- ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 93]
والبشرية تعني أن النبي يأكل ويشرب، ينام ويستيقظ، يفرح ويحزن، يتعب ويستريح، ينسى أحيانًا، يجتهد في الأمور الاجتهادية. كل هذا من لوازم البشرية التي لا تتنافى مع العصمة.
النبي صلى الله عليه وسلم نسي في الصلاة فسجد للسهو، واجتهد في أسرى بدر فنزل التوجيه القرآني، واجتهد في تأبير النخل فقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" [صحيح مسلم: 2363]. كل هذا من البشرية التي لا تقدح في النبوة ولا في العصمة.
العصمة الحقيقية: حفظ في أمور محددة
العصمة التي يُجمع عليها المسلمون هي:
1. العصمة في التبليغ: لا يمكن أن يكذب النبي في شيء يبلّغه عن الله، ولا أن يكتم شيئًا أُمر بتبليغه، ولا أن يزيد من عنده شيئًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46].
2. العصمة من الكبائر: لا يقع من النبي زنا ولا سرقة ولا قتل ظلم ولا خيانة ولا أي كبيرة من الكبائر. هذا محل إجماع.
3. العصمة من الصغائر المُخلّة: لا يقع من النبي ما فيه خسة أو دناءة أو ما ينفّر الناس منه، كالكذب في المزاح أو الغش في البيع أو أكل أموال الناس.
4. عدم الإقرار على الخطأ: إذا وقع من النبي اجتهاد غير صائب أو نسيان أو سهو، فإن الوحي يصححه فوراً ولا يُقَر عليه.
الفرق الجوهري بين أنواع الأفعال
هناك فرق كبير بين:
- المعصية المتعمدة: وهذه لا تقع من الأنبياء في الكبائر أبدًّا
- الخطأ في الاجتهاد: وهذا يقع ثم يُصحح بالوحي
- ترك الأولى: اختيار المفضول على الفاضل، وهذا يقع ويُعاتب عليه
- النسيان والسهو: وهذا من طبيعة البشر ولا يُعد ذنبًا
- الصغائر غير المُخلّة: وهذه محل خلاف، والجمهور على جوازها مع عدم الإصرار
فليس كل ما يُطلق عليه "ذنب" في اللغة هو معصية بالمعنى الاصطلاحي. و"الذنب" في حق الأنبياء قد يكون ترك الأولى أو الأكمل، وهو في حقهم ذنب لعلو مقامهم، بينما قد يكون في حق غيرهم حسنة!
الخطأ الثاني: تجاهل السياق والتصحيح الفوري
والخطأ الثاني الفادح هو النظر إلى الآيات التي تذكر زلات الأنبياء بمعزل عن السياق الكامل والآيات التي تذكر التوبة الفورية والمغفرة الإلهية.