· · 6 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

يونس عليه السلام: الغضب لله لا من الله

Article Summary

يونس عليه السلام لم يغضب من الله، بل غضب لله عندما رأى قومه لا يستجيبون. وغادر دون إذن صريح، وهذا ترك للأولى وليس معصية كبيرة.

وانظر كيف وصف الله حاله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].

وماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].

الخطأ الثالث: الجهل بدرجات الأعمال ومقامات الناس

والخطأ الثالث هو عدم إدراك أن الحكم على الفعل يختلف باختلاف فاعله ومقامه. فما يُعد حسنة للعامة قد يُعدّ تقصيرًا للخاصة، وما يُغفر للمبتدئ قد يُعاتب عليه الكامل.

فالنبي الذي يُكلّم الله ويتلقى الوحي، إذا انشغل لحظة عن ذكر الله، يُعد هذا في حقه تقصيراً يستوجب الاستغفار، بينما لو ذكر أحدنا الله لحظة واحدة في يومه لكان من الذاكرين!

النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. لماذا؟ لأن مقامه يقتضي شكرًا لا ينقطع، وذكرًا لا يفتر، فأي لحظة دون الكمال المطلق تستوجب في حقه الاستغفار.

النظر بمعيار مقام النبوة

عندما عبس النبي صلى الله عليه وسلم في وجه الأعمى، عاتبه الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]. هل العبوس ذنب؟ في حق النبي نعم، لأن مقامه يقتضي الرحمة المطلقة والصبر التام. لكن لو عبس أحدنا في وجه من يقاطعه، لما عُد هذا ذنباً أصلاً!

عندما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين، عاتبه الله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]. الاستغفار للمنافقين رحمة منه صلى الله عليه وسلم، لكن الله أراد أن يُعلّمه أن رحمته يجب أن تكون في محلها.

المعيار الأول: الحكمة الإلهية في إذن الوقوع

إن الله تعالى - وهو القادر على أن يجعل أنبياءه لا يقع منهم أي زلل - أذن بوقوع بعض الأمور منهم لحِكَم بالغة عظيمة.

الحكمة الأولى: تأكيد البشرية بالدليل العملي

لو لم يقع من الأنبياء أي زلل أبداً، لقال الناس: "هؤلاء ليسوا بشرًا حقيقيين، بل ملائكة في صورة بشر". وقد حدث هذا فعلًا مع عيسى عليه السلام، حيث غلا فيه قومه حتى ألّهوه!

لكن عندما يرى الناس أن النبي ينسى فيسجد للسهو، ويجتهد فيُصحح له، ويستغفر ويتوب، يدركون أنه بشر حقاً، مكرّم بالوحي لكنه يبقى عبداً لله.

قال تعالى عن نبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾. والبشرية المماثلة تقتضي الخضوع لسنن البشر من النسيان والاجتهاد والاختيار، مع الحفظ الإلهي من الكبائر والإقرار على الخطأ.

الحكمة الثانية: تعليم الأمة فقه التوبة

لو لم يقع من الأنبياء ما يستوجب التوبة، لفقدت البشرية أعظم دروس التوبة والإنابة. فآدم عليه السلام علّمنا كيف نتوب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23].

وموسى علّمنا الاستغفار الفوري: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾.

ويونس علّمنا دعاء الكرب: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.

ونبينا صلى الله عليه وسلم علّمنا الاستغفار الدائم حتى مع عدم الذنب، فكان يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة.

الحكمة الثالثة: إظهار أسماء الله الحسنى

لو لم يذنب أحد، لتعطلت أسماء الله: الغفور، الغفار، التواب، العفو، الرحيم. قال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» [مسلم: 2749].

فالله تعالى يحب أن تظهر آثار رحمته ومغفرته، وأن يُعرف بأسمائه الحسنى. والأنبياء - بما يقع منهم من زلات يسيرة يتوبون منها - يُظهرون هذه الأسماء في أكمل صورها.

المعيار الثاني: التمييز بين الذنب والذنب

ليس كل ما يُسمى "ذنبًا" في القرآن هو معصية بالمعنى المعروف عندنا.

الذنب بمعنى ترك الأولى

كثير مما نُسب للأنبياء من "ذنوب" هو من باب ترك الأولى والأكمل، وليس فعل المحرم. مثلًا: النبي صلى الله عليه وسلم أذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، فعاتبه الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]. الإذن جائز، لكن الأولى كان عدم الإذن ليفتضحوا.

الذنب بمعنى التقصير في الشكر

النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فقيل له: لِمَ تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكورًا؟» [متفق عليه].

فـ"الذنب" هنا هو التقصير في شكر النعم العظيمة، وليس معصية. فالنبي الذي أُعطي النبوة والوحي والمعجزات، كل لحظة لا يشكر فيها ربه تُعد في حقه تقصيرًا يستوجب الاستغفار.

المعيار الثالث: العصمة الحقيقية في سرعة التوبة

إن عصمة الأنبياء تتجلى بوضوح في أمرين: عدم الإصرار على الذنب، وسرعة التوبة والإنابة.

التوبة الفورية دون تسويف

كل الأنبياء الذين ذُكر عنهم زلل في القرآن، تابوا فوراً:

لا تجد نبيًا أصر على ذنب أو أجّل التوبة أو برر الخطأ. هذه هي العصمة الحقيقية.

القبول الإلهي الفوري

وكما أن توبتهم فورية، فالقبول الإلهي فوري أيضاً:

هذا يدل على مكانتهم عند الله، وأن ما وقع منهم لم يُسقط مقامهم.

المعيار الرابع: الفرق بين عصمة التبليغ وعصمة الأفعال

النقطة الحاسمة التي يجب فهمها: العصمة المطلقة للأنبياء هي في التبليغ عن الله، أما في الأفعال الشخصية فالعصمة من الكبائر ومما يُخل بالمروءة.

في التبليغ: عصمة مطلقة

لا يمكن أن يكذب نبي في حرف واحد مما يبلغه عن الله. لا يمكن أن يزيد أو ينقص أو يُبدّل. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 44-46]. هذه العصمة مطلقة لا تقبل الاستثناء. وهي التي تضمن صحة الوحي وسلامة الدين.

في الأفعال: عصمة من الكبائر

أما في الأفعال الشخصية، فالعصمة من الكبائر ومما يُنفّر الناس. أما الصغائر التي لا تخل بالمروءة، أو ترك الأولى، أو الخطأ في الاجتهاد، فهذا واقع لكن مع التصحيح الفوري.

وهذا التفريق ضروري لفهم كيف يمكن أن يقع من النبي نسيان أو اجتهاد خاطئ في أمر دنيوي، بينما لا يمكن أن يخطئ في آية واحدة من القرآن.

خاتمة: العصمة النبوية بين الغلو والجفاء

وبعد هذا البيان والتحليل، تتضح الحقيقة ناصعة: إن ما ورد في القرآن من ذكر لزلات الأنبياء ليس قدحًا في عصمتهم، بل هو تأكيد لبشريتهم مع حفظ الله لهم، وبيان للحكمة الإلهية في تربية البشرية.

لقد رأينا كيف أن الشبهة تقوم على فهم خاطئ لمعنى العصمة، وخلط بين أنواع الأفعال، وتجاهل للسياق الكامل. ورأينا كيف أن العصمة الحقيقية هي في التبليغ عن الله، وفي الحفظ من الكبائر، وفي عدم الإقرار على الخطأ.

وكشفنا الحِكَم العظيمة من إذن الله بوقوع بعض الزلات من أنبيائه: من تأكيد بشريتهم، وتعليم الأمة التوبة، وإظهار أسماء الله الحسنى، وتحقيق القدوة الكاملة.

وأوضحنا أن "الذنب" في حق الأنبياء قد يكون ترك الأولى، أو التقصير في الشكر، أو ما يُنسب إليهم من أفعال أممهم. وأن عصمتهم تتجلى في سرعة التوبة وعدم الإصرار.

إن الفهم الصحيح لعصمة الأنبياء يحفظنا من طرفين: الغلو الذي يرفعهم فوق البشرية، والجفاء الذي ينزل بهم عن مقام النبوة. فهم بشر اصطفاهم الله، حفظهم من الكبائر، وأذن بوقوع بعض الزلات منهم لحِكَم بالغة، ثم تاب عليهم ورفع درجاتهم.

والعاقل من يتأمل في هذه الحِكَم، ويتعلم من الأنبياء كيف يجمع بين العبادة والاستغفار، بين الطاعة والتوبة، بين العمل الصالح والافتقار إلى الله. فهم القدوة في الطاعة والقدوة في التوبة، القدوة في القوة والقدوة في الاعتراف بالضعف البشري.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفهم الصحيح لدينه، وأن يجنبنا الغلو والجفاء، وأن يجعلنا من المقتدين بأنبيائه في كل أحوالهم. إنه سميع مجيب، وهو على كل شيء قدير.

والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.