· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الغنائم في الإسلام: بين الحق المشروع والافتراء المردود

Article Summary

أما بعد، فمن الشبهات القديمة المتجددة التي يثيرها المغرضون والجهلة بحقائق الإسلام قولهم: "إن الغنائم في الإسلام دليل واضح على أن الجهاد الإسلامي كان دافعه الحقيقي الطمع في الأموال والثروات، وأن المسلمين الأوائل لم يقاتلوا إلا طلبًا للكسب المادي والمغانم الدنيوية، وأن الدوافع الدينية والمبادئ الأخلاقية لم تكن سوى غطاء لإخفاء الأطماع الاقتصادية". هذه شبهة قديمة متهافتة تتجدد بأشكال مختلفة عبر العصور، وتنطوي على جهل فاضح بحقائق تاريخية ونصوص شرعية واضحة، وتقوم على خلط مقصود بين الوسيلة والغاية، وبين المكسب والدافع.

الأخطاء المنهجية الجوهرية في الشبهة

الخطأ الأول: الخلط المقصود بين المكاسب والدوافع

من أكبر الأخطاء المنطقية والمنهجية الفادحة في هذه الشبهة الخلط المتعمد بين وجود المكسب المادي ووجوده كدافع أساسي للعمل. فهذا خلط فج يتجاهل أبسط قواعد التحليل المنطقي السليم.

فليس كل مكسب أو منفعة تتحقق من عمل ما تكون هي الدافع الأساسي والأوحد لذلك العمل. بل في كثير من الأحيان تكون المكاسب المادية نتيجة عرضية طبيعية للعمل، وليست الغاية المقصودة أو الدافع الحقيقي له.

أمثلة واضحة من الواقع المعاصر:

مثال الأطباء والعلماء: العلماء والأساتذة الذين يُدرّسون في الجامعات ويقومون بالأبحاث العلمية يحصلون على رواتب شهرية جيدة، ومكانة اجتماعية مرموقة، ومزايا مادية متنوعة، وأحيانًا جوائز مالية كبيرة عند اكتشافاتهم المهمة. فهل يعني هذا بالضرورة أن كل عالم أو أستاذ جامعي دافعه الوحيد أو الأساسي هو المال والمكانة الاجتماعية؟

بالطبع لا. فكثير منهم مدفوع بدوافع أسمى: حب العلم والمعرفة، والرغبة في خدمة الإنسانية، ونشر المعرفة والحقيقة، والمساهمة في تقدم البشرية وحل مشاكلها.

والدليل على ذلك أن كثيرًا من العلماء والأساتذة يواصلون البحث والتدريس والكتابة حتى بعد التقاعد وانقطاع الراتب، وبعضهم يرفض عروضًا مالية أفضل بكثير في القطاع الخاص أو الشركات التجارية ليبقى في المجال الأكاديمي والبحثي، وكثير منهم يتبرع بوقته وجهده مجانًا في المؤتمرات والندوات العلمية.

مثال الأطباء: الأطباء يكسبون أموالًا - أحيانًا كثيرة - من علاج المرضى ومعالجة الأمراض. فهل هذا يعني أن كل طبيب دافعه الوحيد هو المال والثراء؟

لو كان كذلك، لما وجدنا أطباء يتطوعون في المناطق الفقيرة والنائية براتب زهيد أو مجانًا، ولما رأينا منظمات مثل "أطباء بلا حدود" يخاطر أعضاؤها بحياتهم في مناطق الحروب والكوارث والأوبئة لعلاج الفقراء والمحتاجين دون مقابل يُذكر، ولما شاهدنا أطباء يقضون ليالي كاملة في المستشفيات لإنقاذ مريض واحد.

مثال رجال الإطفاء والشرطة: رجال الإطفاء ورجال الشرطة والجيش يحصلون على رواتب - متواضعة في الغالب - مقابل عملهم الخطر. فهل راتبهم المحدود هو ما يدفعهم حقًا لدخول النيران المشتعلة أو مواجهة المجرمين المسلحين أو التضحية بحياتهم في الحروب؟

أم أن هناك دافعًا أسمى وأعظم وهو حماية الناس الأبرياء، وخدمة المجتمع والوطن، والدفاع عن الحق والعدالة؟ الواقع يشهد بالدافع الثاني.

مثال المعلمين والمربين: المعلمون والمربون يتقاضون أجورًا مقابل تعليم الأطفال والشباب. لكن هل المال هو دافعهم الوحيد؟ لو كان كذلك، لما وجدنا معلمين يبذلون جهودًا إضافية مع الطلاب المتعثرين، ولا معلمين يشترون من أموالهم الخاصة أدوات ومواد تعليمية لطلابهم، ولا مربين يواصلون متابعة طلابهم حتى بعد التخرج.

تطبيق المبدأ على الجهاد والغنائم:

بنفس المنطق العلمي الصحيح، وجود الغنائم كمكسب من المكاسب المشروعة للجهاد لا يعني أبدًّا أنها الدافع الأساسي أو الوحيد للجهاد في الإسلام.

فالمجاهد المسلم قد يحصل على نصيب من الغنيمة كحق مشروع له، لكن هذا لا ينفي أن دافعه الأساسي والحقيقي هو أمور أسمى وأعظم: الدفاع عن الدين والعقيدة، وحماية الأرض والعرض، ونصرة المظلومين والمستضعفين، وإعلاء كلمة الحق والعدل، والجهاد في سبيل الله طلبًا لمرضاته والجنة.

الخطأ الثاني: تجاهل النصوص الصريحة في التزهيد بالغنائم

الخطأ المنهجي الثاني الفادح في هذه الشبهة تجاهلها التام للنصوص القرآنية والنبوية الصريحة والواضحة التي تُزهّد المجاهدين في الغنائم وتجعل تركها أفضل وأعظم أجرًا عند الله من أخذها.