النصوص الإسلامية الصريحة في التزهيد بالغنائم
Article Summary
الحديث النبوي الواضح في فضل ترك الغنيمة:
من يطّلع على التوجيهات النبوية المباشرة والصريحة بخصوص الغنائم، سيجد ما يدحض تمامًا ونهائيًا دعوى أن الغنائم كانت الدافع الأساسي للجهاد في الإسلام.
روى الإمام مسلم في صحيحه بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تم لهم أجرهم" [صحيح مسلم: 1906].
هذا الحديث النبوي الشريف يضع معيارًا واضحًا صريحًا للأفضلية والأجر عند الله:
الدرجة الأعلى والأفضل: المجاهد الذي جاهد في سبيل الله وانتصر وأصبحت الغنيمة حقًا مشروعًا له، لكنه زهد فيها وتركها وآثر ما عند الله على ما في الدنيا. هذا المجاهد له الأجر كاملاً تامًا عند الله يوم القيامة.
الدرجة الثانية: المجاهد الذي أخذ نصيبه المشروع والمباح له من الغنيمة دون إفراط أو طمع زائد. هذا المجاهد - رغم أن فعله مباح ومشروع - قد تعجّل ثلثي أجره في الحياة الدنيا عندما أخذ الغنيمة، وبقي له الثلث فقط في الآخرة.
دلالات مهمة في الحديث:
أولًا: الحديث يخاطب "الغازية" - أي مجموعة المجاهدين كلهم من القائد الأعلى إلى أصغر جندي. فالتوجيه النبوي عام وشامل للجميع: القائد والجندي كلاهما مخاطب بهذا التوجيه الرباني، وكلاهما مُرغّب في الزهد في الغنيمة طلبًا للأجر الأكمل والثواب الأعظم عند الله.
ثانيًا: لاحظ أن الحديث لا يحرّم أخذ الغنيمة، فهي حق مشروع ومباح. لكنه يجعل الزهد فيها وتركها أفضل وأعظم أجرًا عند الله. هذا منهج تربوي إسلامي عميق وحكيم: يحفظ للمجاهد حقه المشروع فلا يُظلم، لكنه يحفزه ويرغّبه في السمو والترقي إلى ما هو أعلى وأسمى.
ثالثًا: لو كان الإسلام يريد تحريض أتباعه وحثهم على القتال من أجل الغنائم والمكاسب المادية، لجعل من يأخذها أعظم أجرًا عند الله، أو على الأقل مساويًا في الأجر لمن تركها. لكن النص النبوي واضح صريح: الأجر الكامل التام لمن زهد في حقه المشروع وتركه لله.
رابعًا: هذا الحديث يثبت بوضوح تام أن الغنيمة في الإسلام ليست الهدف الأساسي ولا الغاية المقصودة من الجهاد، بل هي حق مشروع يُسمح به مراعاة للطبيعة البشرية وحاجاتها، مع الحث المستمر على تركه والسمو عنه طلبًا للأجر الأكمل عند الله.
نصوص أخرى في ذم القتال للدنيا:
القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة صريحان وواضحان في ذم وانتقاد من يقاتل طلبًا للدنيا ومكاسبها فقط.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [البخاري: 123، ومسلم: 1904]. ومفهوم هذا الحديث ودلالته الواضحة أن من قاتل للغنيمة وحدها، أو للمكاسب الدنيوية فقط، فليس جهاده في سبيل الله الحقيقي، وإنما هو طالب دنيا ومصالح شخصية اتخذ من القتال والحرب وسيلة للكسب المادي والثراء، وهذا مذموم شرعًا ومنكر عقلًا، ولا يُعد من الجهاد المشروع والمبارك الذي شرعه الله لعباده.