· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الغنائم نظام عالمي تاريخي وليس اختراعًا إسلاميًا

Article Summary

من الحقائق التاريخية المهمة التي تغيب عن كثير من الناس أن الغنائم والتعويضات الحربية ومصادرة أموال المهزومين ليست خاصة بالإسلام ولا من ابتكاراته أو اختراعاته، بل كانت ولا تزال جزءًا أساسيًا من قوانين الحرب وأعراف القتال عند جميع الأمم والحضارات والشعوب عبر التاريخ البشري الطويل.

النظام العالمي للغنائم عبر التاريخ

في الحضارات القديمة: في العصور القديمة والحضارات الأولى، كانت الغنائم ومصادرة أموال المهزومين تُعتبر حقًا مشروعًا ومسلّمًا به للمنتصر، بل كانت من أهم دوافع الحروب والغزوات ووسائل تمويل الجيوش والدول.

الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ - الفرعونية والآشورية والبابلية والفارسية والرومانية واليونانية - بنت ثرواتها الهائلة وقصورها الفارهة على ما أخذته ونهبته من الشعوب المغلوبة والدول المهزومة.

كان النظام المتبع أن القادة والملوك والأباطرة يستأثرون بالنصيب الأكبر والأعظم من الغنائم، بينما الجنود والمقاتلون يحصلون على ما يُقسم لهم من الفُتات والبقايا.

بل إن كثيرًا من الحضارات القديمة كانت تمارس الإبادة الجماعية والتدمير الشامل للمدن المحتلة، وتسترق الناجين ليصبحوا عبيدًا، وتنهب كل شيء بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية.

في العصر الحديث والمعاصر: حتى في العصر الحديث والمعاصر، مع كل ما يُدّعى من تحضر وتقدم وقوانين دولية وحقوق إنسان، ما زالت الدول المنتصرة في الحروب تفرض تعويضات حرب ضخمة وباهظة على الدول والشعوب المهزومة.

المعاهدات الدولية بعد الحروب الكبرى والعالمية تضمنت دائمًا بنودًا مفصلة لتعويضات مالية واقتصادية ضخمة، تستمر أحيانًا لعقود طويلة وتُفقر الشعوب المهزومة.

والسيطرة على موارد الدول المهزومة ومصادر الثروة فيها - النفط والمعادن والمصانع - أمر معتاد ومألوف في السياسة الدولية المعاصرة.

أمثلة تاريخية محددة:

التميز الإسلامي في تنظيم الغنائم:

الفرق الجوهري والحاسم أن الإسلام لم يخترع نظام الغنائم من العدم، بل وجده واقعًا بشريًا عامًا مستقرًا في جميع الحضارات، فجاء لينظّمه ويهذّبه ويجعله أكثر عدلًا ورحمة، ويخضعه لضوابط أخلاقية صارمة.

المحاور الأساسية للإصلاح الإسلامي:

أولًا: العدل في التوزيع. وضع الإسلام نظامًا دقيقًا ومحكمًا للتوزيع يضمن العدالة بين جميع المقاتلين، بدلًا من استئثار القادة والحكام بكل شيء كما كان سائدًا في الحضارات الأخرى. فالخُمس يذهب لبيت المال والمصالح العامة، والباقي يُوزع على المقاتلين بعدالة.

ثانيًا: الاهتمام بالفئات الضعيفة. خصص الإسلام جزءًا من الغنائم (الخُمس) للفئات الضعيفة والمحتاجة في المجتمع كاليتامى والمساكين وابن السبيل، بدلًا من ذهابها كلها للمحاربين والقادة كما كان معتادًا.

ثالثًا: الضوابط الأخلاقية الصارمة. وضع الإسلام ضوابط أخلاقية صارمة وحازمة تمنع الإفساد والتخريب والإبادة الجماعية والتدمير العشوائي التي كانت معتادة ومألوفة في حروب الجاهلية والحضارات الأخرى.

رابعًا: تحريم الغدر ونقض العهود. حرّم الإسلام الغدر ونقض العهود والمواثيق من أجل الحصول على الغنائم، وألزم المسلمين بالوفاء بالعهود والمواثيق حتى لو كان في ذلك تفويت للمكاسب المادية.

خامسًا: تبعية الغنيمة للجهاد وليس العكس. جعل الإسلام الغنيمة تابعة للجهاد المشروع، وليس الجهاد تابعًا للغنيمة. فلا يجوز شن حرب من أجل الغنيمة، بل الغنيمة نتيجة طبيعية للجهاد المشروع.

سادسًا: منع الاعتداء على المدنيين. منع الإسلام الاعتداء على النساء والأطفال والشيوخ والرهبان والمزارعين والتجار المسالمين، بينما كانت الحضارات الأخرى تبيح قتل واسترقاق الجميع.

الحكمة الاقتصادية والاجتماعية من إباحة الغنائم

إباحة الغنائم في الإسلام وتنظيمها بهذه الطريقة المحكمة له أهداف نبيلة وحِكم عميقة ومصالح مهمة للمجتمع والدولة:

الهدف الأول: تعويض المقاتلين العادل. المجاهدون والمقاتلون يتركون أعمالهم وتجاراتهم وصناعاتهم وأسرهم ومصادر رزقهم للتفرغ الكامل للدفاع عن الدين والأمة والوطن، فمن العدل والإنصاف أن يحصلوا على تعويض مادي مناسب عن هذا التضحية والتفرغ.

الجندي المعاصر اليوم يأخذ راتبًا شهريًا من الدولة مقابل خدمته العسكرية، والمقاتل المسلم في الماضي كان تعويضه ورزقه الأساسي من نصيبه في الغنائم.

الهدف الثاني: إضعاف القوة الاقتصادية للعدو. عندما تخسر الدولة المعتدية والمحاربة مواردها المالية وثرواتها، تضعف قدرتها الاقتصادية والعسكرية على شن حروب جديدة أو مواصلة العدوان. فالغنائم وسيلة لإضعاف العدو اقتصاديًا وعسكريًا.

الهدف الثالث: تحقيق التكافل الاجتماعي. خُمس الغنائم يذهب لبيت المال ويُصرف على اليتامى والمساكين وابن السبيل والمصالح العامة، فهو وسيلة لتوزيع الثروة على الفقراء والمحتاجين وتحقيق التوازن الاجتماعي.

الهدف الرابع: تمويل الدفاع والأمن. جزء من الغنائم يُستخدم لتمويل الجيش وشراء السلاح وتجهيز المقاتلين، فهو مصدر مهم لتمويل الدفاع الوطني دون إثقال كاهل الشعب بالضرائب الإضافية.

الهدف الخامس: الردع والعبرة. عندما تعلم الدول المعتدية أن عدوانها سيكلفها خسائر اقتصادية فادحة، فإن ذلك يردعها عن الاعتداء ويحقق الأمن والاستقرار.

الضوابط الشرعية للغنائم

الضابط الأول: الجهاد المشروع فقط. لا تُباح الغنائم إلا في الجهاد المشروع الذي أذن به الله ورسوله، وليس في أي قتال أو عدوان.

الضابط الثاني: العدل في التوزيع. يجب توزيع الغنائم بعدالة حسب الأحكام الشرعية، وليس حسب أهواء القادة أو المصالح الشخصية.

الضابط الثالث: حفظ حقوق الآخرين. يجب حفظ حقوق المدنيين وأهل الذمة والمستأمنين، فلا تؤخذ أموالهم ولا يُعتدى عليهم.

الضابط الرابع: الالتزام بالأخلاق. يجب الالتزام بالأخلاق الإسلامية في القتال وعدم التجاوز أو الاعتداء أو التخريب غير المبرر.