· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

شواهد تاريخية على عدم كون الغنيمة دافعًا للجهاد

Article Summary

التاريخ الإسلامي مليء بالشواهد والأمثلة التي تثبت أن الغنيمة لم تكن الدافع الأساسي للجهاد، بل كانت الدوافع الدينية والأخلاقية هي المحرك الحقيقي:

أولًا: شاهد الأنصار في بدر. في غزوة بدر، لما علم الأنصار أن هدف الخروج تحول من اعتراض القافلة التجارية إلى قتال جيش مكة المدجج بالسلاح، لم يتراجعوا رغم أن فرصة الغنيمة من الجيش أقل بكثير من القافلة التجارية. بل أكدوا استعدادهم للقتال في سبيل الله.

ثانيًا: شاهد الصحابة في الفتوحات. في الفتوحات الإسلامية، رأينا صحابة يرفضون أخذ نصيبهم من الغنائم زهدًا فيها وطلبًا للأجر الأكمل. ورأينا آخرين يتصدقون بغنائمهم على الفقراء والمحتاجين.

ثالثًا: شاهد حروب الردة. في حروب الردة، قاتل المسلمون ضد القبائل المرتدة دون أن تكون هناك غنائم تُذكر، بل كانت تكلفة القتال أكبر من أي مكسب مادي. والدافع كان الحفاظ على الدين والدولة.

رابعًا: شاهد الجهاد الدفاعي. في كثير من الحروب الدفاعية، لم تكن هناك غنائم تُذكر، بل كانت التضحيات والخسائر أكبر بكثير من أي مكاسب مادية. ومع ذلك قاتل المسلمون ببسالة دفاعًا عن دينهم وأوطانهم.

الرد على الشبهات المتفرعة

الشبهة الأولى: "لماذا لم يحرم الإسلام الغنائم تمامًا؟"

الجواب: لأن تحريم الغنائم تمامًا كان سيخالف الواقع البشري والأعراف العالمية، ويُحمّل المسلمين أعباءً إضافية لا مبرر لها. الإسلام جاء بالتوسط والاعتدال، فأباح الغنائم مع تنظيمها وتهذيبها.

الشبهة الثانية: "لماذا ذُكرت الغنائم في القرآن؟"

الجواب: ذُكرت لتنظيمها وبيان أحكامها، وليس لتحريض المسلمين عليها. كما ذُكر الطلاق في القرآن لتنظيمه وليس للتحريض عليه.

الشبهة الثالثة: "ألا يُغري هذا بالقتال؟"

الجواب: النصوص الصريحة تجعل ترك الغنيمة أفضل من أخذها، فكيف تُغري بالقتال؟ والذي يُغري بالقتال حقًا هو الأجر الأخروي وليس المكسب الدنيوي.

الخاتمة: الحقيقة الناصعة في موضوع الغنائم

بعد هذا العرض المفصل والتحليل العميق والشامل لموضوع الغنائم في الإسلام من جوانبه المختلفة، يتضح بجلاء ووضوح لا يحتمل الشك أن شبهة كون الغنائم دافعًا أساسيًا أو وحيدًا للجهاد في الإسلام شبهة واهية متهافتة تنهار تمامًا أمام الحقائق التاريخية الثابتة والنصوص الشرعية الصريحة.

أولًا: الخطأ المنطقي الفادح. إن الخلط بين وجود المكسب ووجوده كدافع يُعد خطأً منطقيًا فادحًا وأساسيًا. فوجود منفعة مادية من عمل ما لا يعني بالضرورة أنها الدافع الأساسي أو الوحيد لذلك العمل، بل قد تكون المكاسب نتيجة عرضية طبيعية وليست الغاية المقصودة أو الهدف المنشود.

ثانيًا: النصوص الإسلامية الصريحة. النصوص الإسلامية من القرآن والسنة صريحة وواضحة في التزهيد في الغنائم والتحذير من جعلها دافعًا للقتال، حيث يجعل الحديث النبوي الصحيح الأجر الكامل التام لمن زهد في حقه المشروع من الغنيمة وتركه لله، بينما من أخذ نصيبه المباح فقد تعجّل ثلثي أجره في الدنيا وبقي له الثلث في الآخرة.

فأي منطق سليم في أن يُحرّض دين على القتال من أجل الغنائم والمكاسب المادية، ثم يجعل أعظم الأجر وأكمل الثواب لمن ترك هذه الغنائم وزهد فيها؟ هذا تناقض مستحيل لا يقبله عقل سليم.

ثالثًا: السياق التاريخي العام: الغنائم والتعويضات الحربية نظام عالمي شامل عرفته جميع الحضارات والشعوب قديمًا وحديثًا، والإسلام لم يخترعه من العدم، وإنما وجده واقعًا مستقرًا فنظّمه وهذّبه وجعله أكثر عدلًا ورحمة، ووضع له ضوابط أخلاقية صارمة، وخصص جزءًا منه للضعفاء والمحتاجين بدلاً من استئثار القادة والحكام به كما كان سائدًا في جميع الحضارات الأخرى.

رابعًا: الحِكم والمصالح. إباحة الغنائم في الإسلام له حِكم ومصالح مهمة: تعويض المقاتلين المتفرغين للدفاع، وإضعاف القوة الاقتصادية للعدو المعتدي، وتحقيق التكافل الاجتماعي من خلال الخُمس، وتمويل الدفاع والأمن العام.

والحق الذي لا مراء فيه أن الجهاد في الإسلام عبادة عظيمة وفريضة مقدسة، هدفها الأساسي والأوحد إعلاء كلمة الله ونصرة الحق والعدل، والدفاع عن المظلومين والمستضعفين، ونشر السلام والأمان في الأرض.

أما الغنيمة فما هي إلا حق مشروع ومباح للمجاهد كتعويض عادل ومنطقي عن تفرغه الكامل للقتال والدفاع، وتركه لعمله ورزقه وأهله، لكنها ليست الغاية ولا الهدف ولا الدافع الأساسي.

ومن جعل الغنيمة غايته الأولى ودافعه الوحيد فقد خرج عن مفهوم الجهاد الحقيقي والشرعي، وأصبح مجرد طالب دنيا ومكاسب مادية، كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الواضح الصريح: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

وبناءً على كل ما تقدم من أدلة وبراهين وشواهد تاريخية، فإن هذه الشبهة المتهافتة تكشف عن أمرين لا ثالث لهما: إما جهل فاضح بحقيقة التعاليم الإسلامية ومصادرها الأصيلة، أو تجاهل متعمد ومقصود للنصوص الواضحة والوقائع التاريخية الثابتة لأغراض سيئة في النفوس.

والمنصف الصادق الذي يبحث عن الحقيقة ويريد معرفة الواقع سيجدها واضحة ناصعة في المصادر الإسلامية الأصيلة والموثقة، وفي صفحات التاريخ المشرق الذي سطّره المجاهدون المسلمون الأوائل الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم وأهلهم في سبيل الله، طلبًا لمرضاته وجنته، لا طمعًا في حطام الدنيا وزخرفها.

والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين العظيم، وشرع لنا من الأحكام ما يحقق العدل والإنصاف والحكمة في جميع شؤون الحياة. والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.