الميراث في الإسلام: فهم شامل للمنظومة المالية المتكاملة
Article Summary
أما بعد، فمن الشبهات المعاصرة التي تُثار حول أحكام الشريعة الإسلامية بكثرة وإلحاح قول بعضهم: "لماذا ترث المرأة في الإسلام نصف ما يرث الرجل؟ أليس هذا ظلمًا واضحًا وصريحًا وتمييزًا فاضحًا ضد المرأة؟ أين العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين التي يدعو إليها الإسلام؟". هذه شبهة خطيرة تنطلق من نظرة سطحية مبتورة تركز على جزئية واحدة معزولة من منظومة مالية واجتماعية متكاملة ومحكمة، وتتجاهل الصورة الكاملة الشاملة للحقوق والواجبات المالية في النظام الإسلامي.
الأخطاء المنهجية في أساس الشبهة
الخطأ الأول: تجاهل الحق الإلهي في تقسيم التركات
من أعظم الأخطاء المنهجية في هذه الشبهة عدم إدراك الحقيقة الجوهرية الأساسية: أن الله تعالى هو المالك الحقيقي والوحيد لكل شيء في هذا الوجود، وأن الإنسان مجرد مستخلف مؤتمن في هذا المال لفترة محدودة من الزمن.
الله هو الرازق والمالك الحقيقي
الله سبحانه وتعالى هو الرازق الحقيقي، هو الذي يقسم الأرزاق بين عباده في الحياة الدنيا كيف يشاء وبحكمة بالغة يعلمها. فهو الذي يعطي من يشاء بغير حساب ولا حدود، ويقدر على من يشاء الرزق لحكمة ومصلحة يعلمها سبحانه.
انظر حولك في هذا العالم الواسع: هذا الإنسان يولد في أسرة ثرية مترفة تملك الملايين والقصور، وذلك يولد في أسرة فقيرة معدمة تكافح من أجل لقمة العيش. هذا الشخص يُرزق ويُوفق في التجارة فيربح الأموال الطائلة، وذاك يخسر رأس ماله كله رغم ذكائه وحرصه. هذا يُبارك له في الزراعة فتأتي أرضه بالخير الوفير، وذلك تُصاب محاصيله بالآفات والجوائح. هذا يحصل على وظيفة مرموقة براتب عالي، وذاك يبقى عاطلًا عن العمل رغم شهاداته ومؤهلاته.
كل هذا التفاوت الهائل في الأرزاق والثروات بين البشر ليس عبثًا أو صدفة، بل هو بقدر الله المحكم وتقديره الحكيم وتوزيعه العادل. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: 71]، وقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: 32].
حقيقة الاستخلاف في المال
والحقيقة الشرعية الثابتة أن المال الذي في أيدي البشر ليس ملكًا حقيقيًا مطلقًا لهم، بل هم مجرد مستخلفين فيه ومؤتمنين عليه لفترة محدودة من الزمن. الله تعالى هو المالك الحقيقي المطلق، والبشر وكلاء مؤقتون ومستأمنون مؤتمنون لفترة قصيرة من أعمارهم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. فالآية الكريمة تصرح بأن الله جعل الناس مستخلفين في المال وليسوا مالكين حقيقيين له. والمستخلف وكيل مؤتمن يتصرف حسب تعليمات المالك الأصلي، وليس له الحق في التصرف المطلق حسب هواه ورأيه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» [صحيح مسلم: 2742]. فالاستخلاف مسؤولية ومحاسبة، وليس ملكية مطلقة.
والمال مال الله في الحقيقة، أعطاه للإنسان أمانة ومسؤولية واختبارًا، وسيسأله عنه يوم القيامة: من أين اكتسبه وفيم أنفقه وكيف تصرف فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع»، وذكر منها: «وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه». [الترمذي: 2417].
الحق الإلهي في تحديد قسمة الميراث
وإذا كان الله تعالى هو الرازق الحقيقي في القدر الكوني، وهو المالك الحقيقي للمال، فمن الطبيعي والمنطقي تمامًا أن يكون هو الذي يحدد في الشرع الإلهي كيف يُقسم هذا المال ويُوزع بعد موت من استخلفه فيه.
فعندما يموت الإنسان، ينقطع تصرفه نهائيًا في المال الذي كان مستخلفًا فيه، وتنتهي وكالته المؤقتة، ويعود الأمر إلى المالك الأصلي - وهو الله سبحانه وتعالى - ليقرر ويحدد لمن ينتقل هذا المال ومن يرثه ومن يُحرم منه وبأي نِسَب وبأي طريقة.
الله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]. لاحظ بدقة التعبير القرآني المحكم: "يوصيكم الله" - فالله سبحانه هو الذي يوصي ويأمر ويوجه ويقسم ويحدد الأنصبة. إنها وصية إلهية ملزمة وليست اقتراحًا أو رأيًا قابلًا للنقاش والتعديل.
وقال تعالى في خاتمة آيات المواريث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 13 - 14].
فتقسيم الميراث من حدود الله المقدسة التي لا يجوز تجاوزها أو تعديلها أو التلاعب بها. ومن يطيع الله في هذا التقسيم يستحق الجنة والنعيم المقيم، ومن يعصي ويتعدى هذه الحدود يستحق النار والعذاب المهين.
سوء الأدب مع الله في الاعتراض على تقسيمه
من يعترض على تقسيم الله للميراث ويتذمر من نصيب المرأة أو الرجل، فهو في الحقيقة كأنه يقول - عياذًا بالله -: "أنا أعرف بالعدل من الله"، أو "أنا أحق بتقسيم المال من مالكه الحقيقي"، أو "حكمي أفضل من حكم الله". وهذا الموقف فيه من سوء الأدب مع الله ما فيه، بل فيه اعتراض صريح على ربوبيته وألوهيته وحقه المطلق في التصرف في ملكه.
الإنسان في حياته قد يوزع ماله كيف يشاء - ضمن حدود الشرع - لأن الله أذن له في ذلك ومنحه هذا التصرف المحدود. يستطيع أن يتبرع ويتصدق ويهب ويوصي في حدود الثلث مثلاً. لكن بعد موته، يعود الأمر كاملاً إلى الله ليقسم التركة حسب علمه اللامحدود وحكمته التامة وعدله المطلق.
والمؤمن الصادق يُسلّم لقسمة الله في الميراث كما يُسلّم لقدر الله في الرزق، لأن كليهما من عند الحكيم العليم الذي لا يظلم أحدًا ولا يجور في حكمه.
البدائل المتاحة وعجزها عن تحقيق العدالة
إذا رفضنا التقسيم الإلهي للميراث واعترضنا على حكمة الله وعدله، فما هو البديل المتاح أمامنا؟ لا بد أن يقوم البشر بتقسيم الميراث بدلاً من الله. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية والمعضلة الكبيرة.
الاختلاف الحتمي بين البشر في التقسيم
البشر سيختلفون حتمًا ولا شك في طريقة التقسيم، لأن كل إنسان ينظر من زاوية مختلفة ويحكم حسب خلفيته الثقافية ومصالحه الشخصية وتجربته الحياتية وأهوائه النفسية.
هذا الشخص سيقول: "الأفضل هو التسوية المطلقة بين جميع الورثة، ذكورًا وإناثًا، كبارًا وصغارًا، قريبين وبعيدين". وذلك الآخر سيقول: "لا، الأولاد الذكور أولى بالمال لأنهم سيحملون اسم العائلة ويديرون الأعمال"، فيريد أن يحرم البنات تمامًا ويعطي الأبناء كل شيء.
وثالث سيقول: "الزوجة أولى بكل المال لأنها رفيقة العمر وشريكة الحياة والذي ساعدت في تكوين هذه الثروة". ورابع سيعارض قائلاً: "لا، الزوجة ليست من الدم، والمال يجب أن يبقى في العائلة الأصلية، فيُعطى للأولاد فقط ولا تأخذ الزوجة شيئًا".
وخامس سيقول: "الأفضل أن يتبرع بكل المال للجمعيات الخيرية والأعمال الإنسانية، ولا يُترك للورثة الذين لم يتعبوا في كسبه". وسادس سيقول: "المال للأكبر سنًا من الأولاد ليدير شؤون العائلة". وسابع سيقول: "للأذكى والأكثر تعليمًا". وثامن: "للأحوج والأفقر".
السؤال إذن: من الذي سيحكم بين هذه الآراء المتضاربة والمتناقضة؟ بأي معيار سنختار رأيًا دون آخر؟ وبأي حق سنفرض رأيًا معينًا على الآخرين؟
عجز التسوية المطلقة عن تحقيق العدالة
حتى لو اتفقنا افتراضيًا على مبدأ "التسوية المطلقة بين الجنسين" كما يطالب أصحاب هذه الشبهة، هل هذا عدل حقيقي منصف؟ الجواب القاطع: لا، بل هو ظلم صارخ إذا نظرنا إلى الصورة الكاملة.
الرجل في النظام الإسلامي عليه أعباء مالية ضخمة وثقيلة لا تتحملها المرأة:
الأعباء المالية على الرجل:
- المهر: هو الذي يدفع المهر كاملاً عند الزواج، وقد يكون مبلغًا ضخمًا يستنزف مدخراته أو يضطره للاستدانة لسنوات طويلة.
- السكن: هو الملزم شرعًا بتوفير المسكن المناسب للأسرة، شراءً أو إيجارًا، وكل تكاليف الصيانة والتأثيث.
- النفقة الكاملة: هو المكلف بالنفقة التامة على الزوجة والأولاد - طعام وشراب وكساء وعلاج وتعليم وجميع الحاجات - حتى لو كانت الزوجة ثرية تملك الملايين.
- نفقة الوالدين: هو المسؤول عن الإنفاق على والديه المسنين إذا احتاجا إلى رعاية أو علاج أو مساعدة مالية.
- نفقة الأخوات: هو الملزم بالإنفاق على أخواته غير المتزوجات أو المطلقات أو الأرامل إذا لم يكن لهن مُعيل آخر.
- المسؤوليات الاجتماعية: عليه أعباء إضافية كالضيافة والزكاة والصدقات وصلة الأرحام والمساعدات الاجتماعية.
الوضع المالي للمرأة:
والمرأة في المقابل، مالها ملك خالص لها تتصرف فيه كما تشاء وفق الحدود الشرعية. لا تُلزم شرعًا بالإنفاق على أحد، حتى على نفسها إذا كان لها زوج أو ولي قادر على الإنفاق عليها. هذا حق مقرر لها في الشريعة وليس منة أو تفضل.
لا تدفع مهرًا، بل تأخذه وتملكه ملكية تامة. لا تُلزم بتوفير السكن أو تحمل أعبائه. لا تُجبر على الإنفاق على الأطفال فهذا واجب الأب. لا تتحمل نفقة الوالدين إلا تطوعًا وإحسانًا. مالها مالها، وأجرها أجرها، وميراثها ميراثها، كله حق خالص لها.
النتيجة المنطقية:
فإذا أعطينا المرأة في الميراث نفس نصيب الرجل تمامًا، مع إعفائها من كل الالتزامات المالية الثقيلة المفروضة عليه، أليس هذا ظلمًا فاضحًا للرجل الذي سيضطر لإنفاق معظم إرثه أو كله على الآخرين، بينما تحتفظ المرأة بإرثها كاملاً لنفسها؟
هذا كمن يوزع الطعام بالتساوي على مجموعة من الناس، مع إلزام بعضهم بإطعام آخرين، وإعفاء البعض الآخر من أي التزامات. النتيجة أن من عليهم التزامات سيجوعون، ومن لا التزامات عليهم سيشبعون. فأين العدل في هذا؟
فشل البدائل البشرية
ثم إن رفض التقسيم الإلهي العادل يؤدي حتمًا إلى واحد من خيارين، كلاهما مشكل وظالم:
الخيار الأول: الفوضى الفردية
أن يُترك التوزيع والتقسيم لكل شخص ليقسم تركته كيف يشاء حسب هواه ومزاجه وعلاقاته الشخصية. وهذا سيؤدي حتمًا إلى ظلم فاحش وتعسف شديد:
قد يحرم الأب بناته من الميراث لأنه يعتقد أن المال للذكور فقط، أو لأنه متأثر بعادات قبلية جاهلية. قد يفضل ولدًا على آخر بسبب تفضيلات شخصية أو خلافات عائلية أو تأثير من الزوجة الثانية. قد يتأثر بضغوط اجتماعية أو نصائح سيئة أو أهواء عارضة.
قد يعطي كل المال لولد واحد "ليحافظ على وحدة الثروة" ويحرم الباقين. قد يحرم الأولاد جميعًا ويعطي المال للزوجة الشابة الجديدة. قد يتبرع بكل شيء لجهات خارجية ويترك أهله في الفقر والحاجة.
كم رأينا من مآسي ومعاناة ونزاعات وخصومات وتفكك أسري في المجتمعات التي تترك التقسيم للأهواء الشخصية والقرارات الفردية؟ كم من أسرة تمزقت وتشتت بسبب تقسيم ظالم للتركة؟
الخيار الثاني: الاستبداد القانوني
أن تفرض الدولة والحكومات تقسيمًا موحدًا إجباريًا على جميع المواطنين. وهنا يثور سؤال جوهري: بأي حق تتصرف الدولة - التي هي مجموعة من البشر المحدودين - في أموال الناس بعد موتهم؟ من أعطاها هذه السلطة المطلقة؟ ما هو مصدر شرعيتها في هذا التدخل؟
وإذا كنا نقبل أن الدولة - وهي مؤسسة بشرية قابلة للخطأ والتحيز والفساد - تملك حق تحديد كيف تُقسم أموال الموتى، فلماذا ننكر على الله - المالك الحقيقي والخالق الحكيم - حقه المطلق في تقسيم ما يملكه؟
أليس هذا تناقضًا صارخًا في المنطق؟ أليس هذا قبولًا بحكم المخلوق الناقص ورفضًا لحكم الخالق الكامل؟
تغير القوانين البشرية وعجزها عن الثبات
والحقيقة الواضحة أن رفض التقسيم الإلهي العادل لا يؤدي إلى العدل الحقيقي، بل إلى استبدال حكم الله العادل الحكيم الثابت بأهواء البشر المتقلبة المتضاربة، أو بقوانين وضعية قاصرة قد تكون ظالمة ومتحيزة.
والتاريخ الإنساني شاهد عدل على أن قوانين البشر في الميراث تغيرت مئات وآلاف المرات عبر القرون والعصور، وما زالت تتغير وتتبدل مع كل جيل وكل حكومة وكل تيار فكري، مما يدل دلالة قاطعة على عجز البشر عن الوصول إلى النظام الأمثل والعدل الحقيقي الثابت.
ما كان عدلًا في نظر قوم أصبح ظلمًا في نظر آخرين. ما كان مقبولًا في عصر صار مرفوضًا في عصر تالي. والسبب واضح: أن البشر محدودو العلم والحكمة والعدل، متأثرون بمصالحهم وأهوائهم وظروفهم المتغيرة.
بينما النظام الإلهي باق ثابت راسخ، صالح لكل زمان ومكان، لأنه من عند الحكيم الخبير الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.