· · 2 min read · ملف المرأة

الحجاب: لماذا الأحكام تختلف بين الرجل والمرأة؟

Article Summary

أما بعد، فمن الشبهات المعاصرة التي تُثار حول أحكام الشريعة الإسلامية قول بعضهم: "لماذا يُفرض الحجاب على المرأة دون الرجل؟ أليس هذا تمييزًا ظالمًا ضد المرأة؟ لماذا لا تكون الأحكام متساوية ومتطابقة بين الجنسين؟ أين العدالة والمساواة في هذا التفريق؟". هذه شبهة تنطلق من مفهوم خاطئ ومغلوط للعدل والمساواة، وتتجاهل الحكمة البالغة من تنوع الأحكام وتباينها حسب الطبيعة المختلفة لكل جنس ودوره في المجتمع.

الأخطاء المنهجية في أساس الشبهة

الخطأ الأول: عدم فهم حق الله تعالى في التشريع المتنوع

الله تعالى هو الخالق الحكيم البصير، وحكمته ثابتة راسخة بأوضح البراهين العقلية والكونية الشاهدة. فمن يتأمل في هذا الكون الفسيح من أدق التفاصيل إلى أعظم الأجرام، يجد نظامًا محكمًا ودقة مذهلة تشهد بحكمة بالغة لا يمكن أن تكون محض صدفة عمياء.

انظر إلى دقة النظام الذري والتوازن المعقد بين البروتونات والإلكترونات، وإلى النظام الشمسي والمجرات التي تسير في مدارات محددة منذ مليارات السنين دون انحراف أو اضطراب. انظر إلى جسد الإنسان وتعقيده المذهل: القلب الذي ينبض مئة ألف نبضة يوميًا لعشرات السنين، والعين التي تحتوي على ملايين المستقبلات الضوئية، والدماغ الذي يعالج معلومات بسرعة تفوق أقوى الحاسوبات.

انظر إلى التوازن البيئي المعقد والدورات الطبيعية المتداخلة: دورة المياه ودورة الأكسجين ودورة الكربون، وكيف تتكامل جميعها لتحافظ على استمرارية الحياة. كل هذا النظام المحكم والدقة المتناهية تشهد بحكمة بالغة وعلم واسع وقدرة تامة للخالق سبحانه.

الله الذي خلق بحكمة يشرّع بحكمة

والله الذي خلق هذا الكون البديع بكل هذه الدقة والحكمة، هو نفسه الذي يشرّع للبشر أحكامهم وشرائعهم. فهو الذي خلق هذا الكائن ذكرًا وذلك الكائن أنثى، وهو أعلم بما يُصلح كلًّا منهما وما يناسب طبيعته ودوره في الحياة.

فكما أن لله تعالى الحق المطلق في أن يخلق ما يشاء كيف يشاء وبالصفات التي يريدها، فله سبحانه الحق المطلق في أن يأمر من يشاء بما يشاء، وأن يضع لكل مخلوق الأحكام التي تناسب خِلقته وطبيعته ودوره.

والله قد جعل للرجل أحكامًا وواجبات ومسؤوليات معينة: أمره بالنفقة على زوجته وأطفاله حتى لو كانت الزوجة غنية مستقلة ماليًا، وألزمه بدفع المهر والإنفاق على الزواج، وكلّفه بصلاة الجماعة في المسجد، وأوجب عليه الجهاد والدفاع عن الوطن والأمة، وحمّله مسؤوليات القيادة والرعاية.

وجعل للمرأة أحكامًا أخرى تناسب طبيعتها ودورها: أمرها بالحجاب والستر عند الخروج، وأعطاها حق القرار في شؤون البيت وتربية الأطفال، ومنحها حق الحضانة للأطفال الصغار، وأعفاها من واجب النفقة والإنفاق المالي، وأسقط عنها وجوب الجهاد والخدمة العسكرية.

كل هذا التنوع في التشريع والتباين في الأحكام نابع من علم الله المطلق بطبيعة كل جنس وما يناسبه، وحكمته البالغة في تنظيم المجتمع وتحقيق المصالح العامة والخاصة.

موقف المؤمن الصحيح من الأحكام الإلهية

والمؤمن الحق الصادق في إيمانه لا يشترط أن يفهم كل حكمة إلهية وراء كل حكم شرعي ليطيع ويمتثل. لماذا؟ لأن الإيمان الصحيح بحكمة الله يعني الثقة المطلقة به سبحانه حتى فيما لم نفهم حكمته أو ندرك أسراره.

هذا يشبه علاقة الطفل العاقل مع والديه الحكيمين - ولله المثل الأعلى - فالطفل يثق بقرارات والديه وتوجيهاتهما حتى لو لم يفهم الحكمة وراءها في كل الأحيان، لأنه يعلم أنهما يحبانه ويريدان مصلحته. والفرق الجوهري هنا أن علم الله مطلق وحكمته تامة وعلمه محيط بكل شيء، بينما الوالدان البشر قد يخطئان في التقدير أحيانًا رغم حسن نيتهما.

من يقول "لن أطيع الله في حكم معين حتى أفهم الحكمة منه بعقلي المحدود" فهو كمن يقول "لن أثق بالله حتى يُبرر لي أفعاله ويُقنعني بصحة تشريعاته". وهذا الموقف ينافي جوهر العبودية والإيمان، لأن العبد الحقيقي يقول: آمنت بحكمة ربي وعدله وعلمه، فإن فهمت الحكمة من حكم معين ازددت إيمانًا ويقينًا وفرحًا، وإن لم أفهمها فالقصور مني وفي فهمي المحدود، وليس قصورًا في الحكمة الإلهية.