تناقض خطير في الاعتراض على الأحكام الإلهية
Article Summary
من يعترض على تشريع الله بحجة عدم فهم الحكمة منه، فهو في الحقيقة يتهم الله - بشكل ضمني - بأنه يشرّع بلا حكمة أو بحكمة ناقصة أو غير مناسبة. وهذا تناقض صارخ ومنطق مقلوب، فالله الذي وهب هذا المعترض العقل الذي يحكم به على الأشياء ويُقيّم به الأمور، هو نفسه الذي شرّع هذه الأحكام التي يعترض عليها. فكيف يستخدم الإنسان نعمة الله عليه - وهي العقل - ليتهم ربه ومنعمه بعدم الحكمة؟
غِنى الله التام عن العبادة والطاعة
والحقيقة الواضحة التي يجب أن نتذكرها دائمًا أن الله غني غنى مطلقًا عن العالمين وعن عبادتهم وطاعتهم. من أطاع فقد نفع نفسه، ومن عصى فقد ضر نفسه، والله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين.
الله لا يحتاج لعبادتنا ولا لطاعتنا ولا لحجابنا ولا لصلاتنا ولا لأي شيء منا. قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12]. لكنه رحمة بنا وإحسانًا إلينا شرع لنا هذه الأحكام لأن فيها صلاحنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة.
فمن رفض التشريع الإلهي بحجة عدم الاقتناع أو عدم فهم الحكمة، فقد حرم نفسه من الخير والبركة والصلاح، والله غني عنه. وهذا الرفض لا يضر الله شيئًا، بل يضر صاحبه في دنياه وآخرته.
الخطأ الثاني: الفهم المغلوط لمعنى العدل والمساواة
من أكبر الأخطاء المنهجية في هذه الشبهة الاعتقاد الخاطئ بأن التسوية المطلقة بين جميع الناس في جميع الأحكام هي العدل، وأن أي تفريق أو تمييز في المعاملة يُعتبر ظلمًا. هذا فهم سطحي ومغلوط للعدالة.
المجتمعات البشرية في كل مكان وزمان، حتى تلك التي تدعي المساواة المطلقة، تُقر في الواقع العملي بحقيقة أساسية: التسوية المطلقة بين جميع الناس في جميع الأحكام والمعاملات تؤدي إلى الظلم وليس إلى العدل، وأن العدالة الحقيقية تقتضي مراعاة الفروق الطبيعية والواقعية بين الفئات المختلفة.
انظر إلى أي مجتمع متقدم في العالم اليوم ستجد النظم الاجتماعية والقانونية كلها مبنية على التفريق المنطقي والعادل بين الفئات المختلفة:
في المجال التجاري والاقتصادي: التجار والمستثمرون لهم تراخيص خاصة وإعفاءات ضريبية وقوانين تجارية لا تُمنح لغيرهم من الموظفين أو العمال. الشركات الكبيرة لها معاملة ضريبية تختلف عن الشركات الصغيرة. المناطق الحرة لها قوانين تختلف عن المناطق العادية.
في المجال المهني: الأطباء لهم حق وصف الأدوية وإجراء العمليات الجراحية، وغيرهم ممنوع من ذلك قانونيًا، حتى لو قرأ جميع كتب الطب ودرس سنوات طويلة. المحامون لهم حق الترافع أمام المحاكم. المهندسون لهم حق توقيع الرسوم الهندسية. كل مهنة لها قوانينها وحقوقها الخاصة.
في المجال المالي: الأغنياء يدفعون ضرائب أكثر من الفقراء - وهو تمييز واضح - ولهم قوانين خاصة في الاستثمار والإرث والمعاملات المصرفية. الفقراء لهم إعانات ومساعدات اجتماعية لا يستحقها الأغنياء.
في مجال الجنسية والإقامة: حاملو جنسية البلد لهم حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية لا يملكها المقيم الأجنبي، حتى لو وُلد هذا الأجنبي في البلد وعاش فيه خمسين سنة وتكلم لغته بطلاقة وأتقن عاداته وثقافته. له حق الإقامة والعمل والتعليم ربما، لكن ليس له حق التصويت في الانتخابات أو تولي المناصب السيادية أو الحصول على بعض المزايا المالية.
في مجال التعليم والخدمات: الطلاب لهم تخفيضات في المواصلات والخدمات والرسوم. كبار السن لهم أولوية في الخدمات الصحية ومقاعد خاصة في المواصلات. ذوو الإعاقة لهم مواقف سيارات خاصة وتسهيلات في المباني. موظفو الدولة لهم تأمين صحي وتقاعد ومزايا لا يحصل عليها موظفو القطاع الخاص.
العدل في مراعاة الفروق وليس تجاهلها
كل هذا التفريق والتمييز في المعاملة ليس ظلمًا أو إجحافًا، بل هو محاولة لتحقيق العدل الحقيقي والمصلحة الاجتماعية. لأن كل فئة لها ظروفها الخاصة وطبيعتها المميزة واحتياجاتها المختلفة ودورها المتباين في المجتمع، والعدل الحقيقي يقتضي مراعاة هذه الفروق الواقعية، وليس تجاهلها بدعوى المساواة المطلقة المجردة.
فإذا كان هذا التفريق في المعاملة مقبولًا ومعقولًا ومطبقًا فعلًا في التفريق بين التاجر وغيره، وبين المواطن والمقيم، وبين الغني والفقير، وبين الطبيب وغير الطبيب، وبين الطالب وغير الطالب، فلماذا يُستنكر التفريق بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام والقوانين؟
خاصة أن الفروق الطبيعية والبيولوجية والنفسية بين الجنسين أعمق وأوضح وأكثر أساسية من كثير من الفروق الأخرى التي تراعيها القوانين المعاصرة وتبني عليها أحكامًا مختلفة.
العدل الحقيقي إذن هو مراعاة الفروق الحقيقية الثابتة بين الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه بما يناسب طبيعته وظروفه ودوره، وليس فرض تسوية وهمية تتجاهل الواقع وتُعامل المختلفين معاملة واحدة.