تكامل النظام الشرعي: الحقوق والواجبات في توازن محكم
Article Summary
الشريعة الإسلامية وضعت نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا محكمًا ودقيقًا، يقوم على توزيع الأدوار والمسؤوليات والحقوق والواجبات بشكل متوازن وعادل بين أفراد المجتمع. وهذا النظام منظومة متكاملة يكمل بعضها بعضًا ويحقق التوازن المطلوب.
في هذا النظام الشرعي المحكم، النفقة على المرأة حق ثابت راسخ لها، وليست صدقة أو منّة أو معونة مشروطة بالحاجة أو الفقر أو الضعف. هذا حقّ مقدّس لا يسقط بثراء المرأة أو استقلالها المالي أو قدرتها على الكسب.
الرجل ملزم شرعًا وقانونيًا بالنفقة الكاملة على زوجته مهما كان مستواها المالي أو وضعها الاقتصادي. حتى لو كانت المرأة ثرية تملك الملايين وتدير شركات ولها استثمارات ضخمة، يبقى واجبًا على الزوج توفير السكن الملائم والملبس اللائق والطعام الجيد والخدمة المنزلية بما يليق بمستواها الاجتماعي ومقامها. هذا حق مقرر لها في الشريعة، وليس تفضلًا من الزوج أو إحسانًا منه.
وقبل الزواج، الأب ملزم بالنفقة على بناته مهما بلغن من العمر وحتى لو كن قادرات على الكسب. والابن بعد انفصال والديه أو وفاة الأب ملزم بالنفقة على أمه وأخواته غير المتزوجات. والأخ الكبير ملزم بالنفقة على أخواته في حالات معينة حددها الفقهاء.
الإلزام بالنفقة يستتبع الخروج للكسب
هذا الإلزام الشرعي والقانوني بالنفقة يترتب عليه بالضرورة أن الرجل مضطر ومجبر للخروج من البيت يوميًا للعمل والكسب والتجارة؛ وذلك لأن الواجب الشرعي - وهو النفقة - لا يمكن تحقيقه والوفاء به إلا بالكسب والعمل في معظم الأحوال.
فالرجل يخرج من بيته صباح كل يوم، ويقضي ساعات طويلة في العمل، ويتعامل مع الأسواق والتجار والعملاء، ويختلط بالناس من مختلف الطبقات والثقافات، ويسافر أحيانًا للتجارة أو العمل، ويحضر الاجتماعات والمؤتمرات. هذا هو واقع حياته اليومية المفروض عليه بحكم مسؤولياته المالية الثقيلة التي أوجبها الله عليه.
وضع المرأة في النظام الشرعي
والمرأة في المقابل، بما أنها مكفولة النفقة من الناحية المالية ومضمونة الرزق والمسكن والملبس، فهي غير مضطرة ولا مجبرة للخروج من البيت للعمل والكسب. قرارها في بيتها وبين أهلها هو الأصل والأساس، وخروجها للحاجات والضروريات هو الاستثناء والطارئ.
بيتها مملكتها التي تحكمها وتديرها، وأطفالها مسؤوليتها الأولى التي تربيهم وتعلمهم، وزوجها وأهلها أولويتها في الرعاية والاهتمام. هذا دورها الأساسي الذي شرّفها الله به وكرّمها من خلاله.
الحكمة في تباين الأحكام
من هذا الواقع المختلف للجنسين في أدوارهما ومسؤولياتهما، جاءت أحكام اللباس والزينة متناسبة ومتوافقة مع طبيعة حياة كل منهما ووظيفته في المجتمع.
الرجل الذي يخرج بالضرورة والإجبار يوميًا للعمل والكسب، والذي يقضي معظم وقته خارج البيت في التعامل مع الناس، لم يُلزم بقيود مشددة في اللباس قد تعيق حركته وعمله وتجعل مهمته أصعب وأشق.
والمرأة التي خروجها محدود ونادر، والتي تقضي معظم وقتها في بيتها بين أهلها وأطفالها، أُمرت بالحجاب والستر عند الخروج الطارئ. وهذا الأمر لا يشكل عبئًا حقيقيًا على حياتها اليومية في البيت، ولا يعطل دورها الأساسي في الأسرة والمجتمع.
اعتبارات نفسية وفسيولوجية
يُضاف إلى هذا الاعتبار الاجتماعي اعتبارات نفسية وفسيولوجية ثابتة ومعروفة: الرجل بطبيعته البيولوجية والنفسية أكثر استثارة بصرية من المرأة، وأكثر تأثرًا بما يراه من مناظر ومشاهد. والمرأة بتكوينها الجسدي والفسيولوجي الخاص بها فيها من عناصر الجاذبية والجمال ما قد يثير هذه الاستثارة عند الرجال.
الحجاب والستر يحقق التوازن المطلوب في هذه المعادلة الاجتماعية الحساسة: يحمي المرأة من النظرات الفاحصة المتطفلة ومن التعليقات غير المرغوبة، ويحمي الرجال من الفتنة والاستثارة غير الضرورية، ويحمي المجتمع ككل من الاضطراب والفوضى الأخلاقية التي قد تنجم عن إهمال هذا الجانب.
التوازن في النظام الشرعي
فالنظام الشرعي إذن متكامل ومتوازن توازنًا دقيقًا: حقوق مقابل واجبات، وإعفاء من مسؤولية مقابل التزام بمسؤولية أخرى، ومزايا مقابل تكاليف.
الرجل يتحمل العبء المالي الثقيل والمسؤولية الاقتصادية الكاملة، ويُعفى في المقابل من قيود معينة في اللباس والحركة. المرأة تُكفل ماليًا وتُعفى من أعباء الكسب والنفقة، وتلتزم في المقابل بالحجاب والستر عند الخروج.
كل طرف له ما له من حقوق ومزايا، وعليه ما عليه من واجبات والتزامات، في توازن محكم ودقيق يحقق مصلحة الفرد والأسرة والمجتمع جميعًا.