الفرق الأساسي بين الشريعة والقوانين البشرية
Article Summary
والشريعة الإلهية تطبق نفس المبدأ ولكن بكمال أكبر ودقة أعظم. فالله تعالى قد يشرّع ما تكره النفوس أو تستثقله، ولكنه خير لها في الحقيقة والواقع. وقد تحب النفوس شيئًا وترغب فيه، وهو في الحقيقة شر لها ومضر بها. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
تطبيق المبدأ على الحجاب وغيره
فالحجاب مثلًا قد تكرهه بعض النساء لأنه يخالف الموضة السائدة أو يقيد حريتهن المطلقة في اللباس كما يتصورن أو يحد من عرض جمالهن كما يعتقدن. لكنه في الحقيقة والواقع يحقق مصالح عظيمة لهن وللمجتمع:
يحميهن من أن يُختزلن في مجرد أجساد وأشكال خارجية، ويضمن أن يُقدرن ويُحترمن لعقولهن وشخصياتهن وإنجازاتهن وليس لمظهرهن الخارجي. يحفظ كرامتهن ويصون عفتهن ويقيهن من النظرات الفاحصة والتعليقات المتطفلة. يحمي المجتمع من الفتنة والاضطراب الأخلاقي والتنافس الضار في الجمال والأناقة.
المصلحة الحقيقية الثابتة للفرد والمجتمع مقدمة على الرغبة الشخصية العارضة أو الميول الفردية المتغيرة.
وكذلك تحريم الخمر والمسكرات قد يزعج ويضايق من يحب الشرب ويجد فيه متعة، لكنه يحمي المجتمع من آفات عظيمة: الجرائم التي تُرتكب تحت تأثير الكحول، وحوادث السير المميتة، والأمراض الخطيرة، وتدمير الأسر، وضياع الأموال.
تحريم الزنا والعلاقات المحرمة قد يخالف رغبات ونزوات بعض الناس، لكنه يحفظ الأنساب والأسر من التفكك، ويحمي المجتمع من انتشار الأمراض التناسلية، ويضمن حقوق الأطفال في معرفة آبائهم والعيش في أسر مستقرة.
الأمر بالزكاة والصدقات قد يكرهه البخيل الذي يحب الاحتفاظ بماله، لكنه يحقق التكافل الاجتماعي ويقلل الفوارق الطبقية ويحارب الفقر والحاجة.
الفرق الأساسي بين الشريعة والقوانين البشرية
والفرق الاساسي بين الشريعة الإلهية والقوانين الوضعية البشرية أن الشريعة من عند الله العليم الحكيم الخبير، الذي يعلم خفايا النفوس وأسرار القلوب ومآلات الأمور، فهي تحقق المصلحة الحقيقية الكاملة دائمًا وأبدًا وبلا أخطاء. وهي الأصلح قطعًا لأنها من الأعلم المطلق والأحكم التام.
أما القوانين البشرية فقد تخطئ أحيانًا في تقدير المصلحة أو توازن المنافع والمضار، لأن واضعيها بشر محدودو العلم والحكمة والخبرة، قد يغيب عنهم بعض الجوانب أو يخطئوا في التحليل أو يتأثروا بضغوط خارجية أو مصالح شخصية.
خاتمة: الحكمة في التنوع والعدل في التوازن
بعد هذا العرض التفصيلي الشامل، يتضح بجلاء ووضوح تام أن الحجاب والتفريق في أحكام اللباس بين الرجل والمرأة حكم منعزل أو قرار تعسفي يمكن انتقاده بمعزل عن السياق الكامل للشريعة الإسلامية، بل هو جزء عضوي ومكون أساسي من منظومة متكاملة ومحكمة من الأحكام والقوانين التي تحقق التوازن الدقيق والعدل الحقيقي بين الجنسين.
الاختلاف في بعض الأحكام والواجبات بين الرجل والمرأة تمييزًا ظالمًا أو إجحافًا غير مبرر، بل هو مراعاة حكيمة وعادلة للفروق الطبيعية والبيولوجية والنفسية الثابتة، وللأدوار المختلفة والمتكاملة لكل جنس في بناء المجتمع وإعماره.
كما رأينا بوضوح، حتى المجتمعات المعاصرة التي تدعي المساواة المطلقة والمثالية بين الجميع، تُقر في الواقع العملي بضرورة التفريق والتمييز في كثير من القوانين والأنظمة والمعاملات. فالعدل الحقيقي الذي تسعى إليه جميع النظم الإنسانية المتحضرة التسوية المطلقة العمياء، بل إعطاء كل ذي حق حقه بما يناسب طبيعته وظروفه ودوره ومسؤولياته.
والأهم من كل ذلك والأساس الذي يجب أن نبني عليه موقفنا، أن هذه الأحكام صادرة من الله الحكيم العليم الخبير، الذي خلق الإنسان ذكرًا وأنثى، ويعلم حق العلم ما يُصلح كلاً منهما ويناسب طبيعته ويحقق سعادته.
الإيمان الحق والصادق يقتضي التسليم المطلق لحكم الله وشرعه حتى لو لم ندرك جميع الحِكَم والأسرار وراء كل حكم، لأن علمنا محدود وفهمنا ناقص وإدراكنا قاصر، بينما علم الله مطلق وحكمته تامة وخبرته شاملة.
من يشترط فهم الحكمة الكاملة وراء كل حكم إلهي قبل الطاعة والامتثال، فقد جعل عقله القاصر ومعرفته المحدودة حاكمًا ومقيمًا على حكمة الخالق العظيم. وهذا منطق مقلوب وموقف متناقض.
الحجاب في حقيقته تكريم عظيم للمرأة وتشريف لها وحفظ لكرامتها، وليس قيدًا عليها أو انتقاصًا من قدرها أو تقليلاً من شأنها. إنه يضمن أن تُقدر وتُحترم وتُعامل كإنسان كامل له عقل وشخصية وإنجازات، وليس كمجرد جسد أو شكل خارجي أو أداة للمتعة البصرية.
الحجاب جزء من نظام اجتماعي متكامل يوازن بين الحقوق والواجبات بعدل ودقة، ويراعي طبيعة كل جنس ودوره الفطري في المجتمع، ويحقق المصلحة للفرد والأسرة والمجتمع جميعًا.
نظام يحمي المرأة ويكرمها ويحفظ لها مكانتها العالية، ويحمي المجتمع من الفتنة والاضطراب والفوضى الأخلاقية، ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام النفسي.
ومن يبحث عن دين يوافق جميع أهوائه الشخصية ورغباته الفردية ونزواته العارضة في كل صغيرة وكبيرة، فهو في الحقيقة لا يبحث عن الحق والهداية، بل يريد أن يكون هو المشرّع لنفسه والحاكم على ربه.
أما المؤمن الصادق المتسلم لله حقًا، فيقول بقلب منشرح وصدر منفتح: سمعنا وأطعنا، راضيًا بحكم الله، واثقًا في حكمته، مستسلمًا لأمره، عالمًا أن ما شرعه الله هو الخير كله والصلاح كله والحكمة كلها، ظهرت له الحكمة أم لم تظهر.
والحمد لله العظيم الذي هدانا لدين الحق والعدل، وشرع لنا من الأحكام الحكيمة ما فيه صلاحنا وسعادتنا وكرامتنا في الدنيا والآخرة. نسأله سبحانه أن يرزقنا الفهم الصحيح لدينه، والتطبيق السليم لشرعه، والرضا الكامل بأحكامه. والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.