الأحكام الشرعية والأخلاق: لماذا لا يكفي أن نكون طيبين لدخول
Article Summary
أما بعد، فمن الشبهات المعاصرة التي تُثار حول الدين الإسلامي وأحكامه وشرائعه قول بعضهم: "لماذا كل هذه الأحكام والتفاصيل والتعقيدات في الإسلام؟ أوليس يكفي أن يكون الإنسان طيّب القلب، حسن الأخلاق، صادقًا أمينًا، لا يؤذي أحدًا ولا يظلم أحدًا، ليكون من أهل الجنة؟ لماذا التعقيد بالصلاة والصيام والزكاة والحج والحلال والحرام؟ أليست الأخلاق الحسنة هي لبّ الأديان وأساسها؟". هذه شبهة تنطلق من فهم قاصر ومبتور لطبيعة العلاقة المتكاملة بين الخالق والمخلوق، وتختزل الدين في جانب واحد فقط من جوانبه المتعددة.
الأخطاء المنهجية في أساس الشبهة
الخطأ الأول: تجاهل حق الله تعالى والتركيز على حقوق الخلق فقط
الإنسان في حقيقة وجوده وطبيعة حياته له علاقتان أساسيتان لا يمكن الفصل بينهما أو إهمال إحداهما دون الأخرى: علاقة عمودية مع خالقه الذي أوجده من العدم وأنعم عليه بنعم لا تُحصى، وعلاقة أفقية مع المخلوقين من حوله من البشر والكائنات الأخرى.
والحقيقة الواضحة أن الأخلاق الحسنة - بمفهومها المتداول عند كثير من الناس اليوم - تُنظم العلاقة الثانية فقط، أي علاقة الإنسان بأقرانه من البشر. فهي تجعله صادقًا في حديثه، أمينًا في تعامله، عادلًا في أحكامه، رحيمًا بالضعفاء، كريمًا مع المحتاجين، وفيًا بوعوده، متسامحًا مع من أساء إليه.
لكن السؤال المحوري الذي تتجاهله هذه النظرة القاصرة: ماذا عن العلاقة الأولى والأساسية؟ ماذا عن حقّ الله تعالى الذي خلق هذا الإنسان من عدم، ووهبه الحياة والعقل والإرادة، ورزقه من حيث لا يحتسب، وسخّر له الشمس والقمر والنجوم، وأجرى له الأنهار وأنبت له الأشجار، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة لا تُعد ولا تُحصى؟ أليس لهذا الخالق العظيم الكريم حق على عبده المخلوق المرزوق؟
عظم جحود حق الخالق
الحقيقة المؤلمة أن إغفال حق الله تعالى وتجاهله يُعتبر أعظم الظلم وأفحش الجحود وأقبح الكفران في ميزان العقل والفطرة قبل ميزان الشرع والدين. فالله سبحانه وتعالى هو الذي وهب الإنسان نعمة الوجود بعد أن كان معدومًا لا يُذكر، ومنحه نعمة العقل الذي يفكّر به ويُدرك، وأعطاه نعمة الإرادة التي يختار بها ويقرر، وسخر له جميع ما في الكون ليستفيد منه ويعيش.
فكيف يكون من العدل أو المنطق أو حتى الأخلاق أن يستخدم الإنسان هذه النعم الإلهية ليُحسن إلى المخلوقين - وهو أمر محمود في حد ذاته - ثم ينسى أو يتجاهل أو يتنكر لحق المُنعِم الأصلي الذي به كانت هذه النعم وبفضله استمرت؟ هذا يشبه تمامًا رجلاً يستخدم مال غني كريم ليُحسن إلى الناس ويساعد المحتاجين طلبًا للثناء والذكر الحسن، بينما هو متناسٍ أو متجاهل لشكر صاحب المال الأصلي الذي مكّنه من هذا الإحسان.
بل إن الأمر أعظم من هذا المثال بمراحل، لأن الغني في المثال أغنى الإنسان بشيء كان موجودًا قبله، أما الله تعالى فقد أوجد الإنسان نفسه من عدم، وأوجد كل ما ينتفع به في الكون. فالجحود هنا أعظم والظلم أفدح والقبح أشنع.
تنوع الدوافع وراء الإحسان إلى الناس
ثم إن العبادات والأحكام الشرعية هي التي تكشف حقيقة النوايا الداخلية وتُميّز الصادق من المدعي، والمخلص من المرائي. فالإحسان إلى الناس والتعامل الطيب معهم قد يكون لدوافع متعددة ومتنوعة، وليست كلها نبيلة أو مستحقة للثواب الأخروي:
الدافع الأول: طلب السمعة والشهرة. قد يُحسن الإنسان إلى الناس ويُعاملهم بلطف وكرم طلبًا للسمعة الحسنة والذكر الجميل، فهو يريد أن يُقال عنه إنه كريم محسن شهم نبيل، يحب أن تتحدّث الألسنة عن فعاله الطيبة، ويسعى لأن يُخلد اسمه في قلوب الناس كرجل خير وبرّ. هذا الدافع دنيوي بحت، والهدف منه إشباع الأنا والحصول على الإعجاب والتقدير الاجتماعي.
الدافع الثاني: الاستثمار الاجتماعي. وقد يُحسن إليهم رغبة في أن يُبادلوه الإحسان عند الحاجة، فهو يزرع المعروف اليوم ليحصد الجميل غدًا، ويُقرض الناس من عطفه وكرمه ليستدين منهم العون والمساعدة عند الضرورة. هذا استثمار اجتماعي ذكي، وحساب مدروس للمصالح والمنافع المتبادلة.
الدافع الثالث: طلب الخلود التاريخي. وقد يُحسن إليهم آملًا في أن يُخلد اسمه في صفحات التاريخ كأحد المحسنين والمتبرعين، كما فعل كثير من الأثرياء والحكام عبر العصور الذين بنوا المستشفيات والمدارس والجسور والمعابد ليُذكروا بخير رغم ما اقترفوه من جرائم وظلم في جوانب أخرى من حياتهم.
الدافع الرابع: إشباع الحاجة الفطرية النفسية. وقد يُحسن إليهم لمجرد إشباع حاجة نفسية في داخله، فالإنسان مفطور على حب فعل الخير والشعور بالرضا النفسي عندما يساعد الآخرين ويخفف من معاناتهم. هذا إشباع للذات وتلبية لحاجة داخلية، وإن كان ينفع الناس فهو في جوهره عمل للنفس وإرضاء لها.
نتيجة مهمة كل هذه الدوافع المذكورة دنيوية محضة لا علاقة لها بالله تعالى. صاحبها قد يكون ملحدًا لا يؤمن بوجود الله أصلًا، أو مشركًا يعبد آلهة متعددة، أو لاأدريًا يشك في كل شيء. إحسانه عبادة لنفسه أو للناس أو للتاريخ أو لشهوة داخلية، وليس عبادة لله رب العالمين.
الإحسان الصحيح المقبول عند الله
أما المؤمن الصادق الذي يُحسن إلى الناس ابتغاء وجه الله الكريم وطلبًا لرضوانه، فإحسانه مختلف جذريًا عن جميع الأنواع السابقة في دافعه وغايته ونتيجته:
هذا المؤمن يُحسن حتى إلى من لا يعرفه ولن يشكره ولن يُبادله الجميل، لأن هدفه رضا الله وليس رضا الناس. يُحسن في السر كما يُحسن في العلن، بل قد يكون إحسانه في السر أكثر وأحب إليه، لأنه أبعد عن الرياء وأدل على الإخلاص. يُحسن حتى لأعدائه إذا احتاجوا إلى مساعدته، لأن الله أمره بالعدل والإحسان حتى مع من ظلمه.
دافعه في كل ذلك واحد لا يتغير: رضا الله تعالى والفوز بجنته والنجاة من عذابه. ولذلك فهو لا يتوقف عند الإحسان إلى الناس، بل يبحث عن كل ما يُرضي ربه ويُقربه إليه، سواء كان من حقوق الناس أو من حقوق الله.
قال الله تعالى في وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين: ﴿وَيُطعِمونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسكينًا وَيَتيمًا وَأَسيرًا * إِنَّما نُطعِمُكُم لِوَجهِ اللَّهِ لا نُريدُ مِنكُم جَزاءً وَلا شُكورًا * إِنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَومًا عَبوسًا قَمطَريرًا * فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ اليَومِ وَلَقّاهُم نَضرَةً وَسُرورًا﴾ [الإنسان: 8 - 10].