العبادات: البرهان العملي على صدق الإيمان
Article Summary
العبادات إذن هي البرهان العملي الحاسم والاختبار الحقيقي لصدق الإيمان وإخلاص النية. فمن يدّعي أنه يحب الله ويُحسن إلى الناس من أجل الله وابتغاء وجهه، ثم لا يُصلي لله ولا يسجد له ولا يدعوه ولا يذكره ولا يطيع أوامره ولا يجتنب نواهيه، فهو كاذب في دعواه، منافق في قوله، مدعّ للمحبة بلا برهان.
هذا يشبه تمامًا رجلًا يدعي أنه يحب شخصًا حبًا صادقًا، لكنه لا يُكلّمه أبدًّا، ولا يزوره قط، ولا يسأل عنه، ولا يهتم بما يُحبه وما يكرهه، ولا يحاول إرضاءه في أي شيء. فمن يصدق مثل هذه الدعوى؟
الخطأ الثاني: عدم فهم الحكمة من العبادة وطبيعتها
العبادة في حقيقتها أوسع من مجرد طقوس أو حركات أو كلمات تُردد، بل هي إظهار وإعلان وتجسيد عملي لحقيقة كونية ثابتة لا تتغير: الافتقار المطلق التام للمخلوق إلى خالقه في كل شيء وفي كل لحظة.
حقيقة الافتقار الوجودي
هذا الافتقار حقيقة وجودية ثابتة وليس مجرد أمر اختياري يمكن للإنسان أن يقبله أو يرفضه حسب مزاجه. فالإنسان فقير إلى الله تعالى فقرًا مطلقًا في كل نَفَس يتنفسه، وفي كل نبضة قلب تنبض في صدره، وفي كل حركة يتحركها، وفي كل فكرة تخطر بباله، وفي كل لحظة من لحظات وجوده.
لولا الله لم يوجد هذا الإنسان أصلًا، ولولا الله لم تستمر حياته طرفة عين، ولولا الله لم يستطع أن يتحرك أو يتكلم أو يفكر أو يشعر. إنه محتاج إلى الله في وجوده قبل عمله، وفي بقائه قبل فعاله، وفي كل ذرة من ذرات جسده وكل خلية من خلاياه.
موقفان لا ثالث لهما
والإنسان أمام هذه الحقيقة الوجودية الثابتة له موقفان اثنان لا ثالث لهما:
الموقف الأول: أن يعترف بهذا الافتقار ويُقرّ به ويُظهره في أقواله وأفعاله وجوارحه وحركاته وسكناته، وهذا هو لب العبادة وحقيقتها وجوهرها.
الموقف الثاني: أن يتجاهل هذا الافتقار ويتناساه ويتظاهر بالاستغناء والاكتفاء الذاتي، كأن وجوده من ذاته وحياته بيده وتصرفاته من اختياره المطلق.
الموقف الأول انسجام تام مع الحقيقة وقبول لها واعتراف بها، والموقف الثاني تمرد عليها ورفض لها وإنكار لها، رغم أنها ثابتة لا تتغير بإنكار المنكرين أو تكذيب المكذبين.
أمثلة عملية على إظهار الافتقار
السجود مثلًا هو أبلغ صورة وأوضح مثال على إظهار هذا الافتقار والاعتراف به، حيث يضع الإنسان أشرف ما فيه وأكرم أعضائه - وجهه وجبهته - على الأرض، معترفًا بعظمة الله وجلاله وكبريائه، ومُقرًا بضعف نفسه وحاجته وفقره إليه.
الصيام إظهار عملي للافتقار إلى الرزق الذي يمنحه الله ويتفضل به، فالإنسان يترك الطعام والشراب في وقت محدد طاعة لله، مُعلنًا أن حاجته للطعام والشراب لا تُغنيه عن حاجته لطاعة ربه ورضاه.
الدعاء إقرار صريح وإعلان واضح بحاجة الإنسان إلى الله في كل أموره، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها. فالداعي يعترف بأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا يستطيع تحقيق مراده إلا بإعانة الله وتوفيقه.
قبح ادعاء الاستغناء عن الله
أما من يرفض العبادة أو يتثاقل منها أو يستنكف عنها، فهو في الحقيقة يدّعي الاستغناء عن الله، ويتظاهر بأنه غني عنه غير محتاج إليه. وهذا الادعاء قمة في القبح والكذب والباطل، لأنه كذب صريح على الذات وعلى الكون وعلى الحقيقة الواضحة.
كيف يدّعي الاستغناء والغنى من هو محتاج في وجوده أصلًا؟ من لولا الله لم يُخلق ولم يُوجد؟ من لو قطع الله عنه أنفاسه لحظة واحدة لمات وانتهى؟ من لو منع الله عنه رزقه يومًا واحدًا لجاع وعطش؟ من لو سلب الله منه عقله أو صحته أو قوته لأصبح عاجزًا ضعيفًا مسكينًا؟
إن ادعاء الاستغناء عن الله - سواء كان بالقول أو بالفعل أو بالإعراض عن العبادة - كذب فاضح على الذات وعلى الكون، وتكبر مقيت لا مبرر له، وجحود للنعم والفضل والإحسان.
العبادة: الموقف الطبيعي للمخلوق
من هنا نفهم لماذا جعل الله تعالى العبادة أول الواجبات وأعظمها وأهمها في الدين. السبب ليس أن الله محتاج إلى عبادتنا أو متوقف عليها - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - بل لأن إظهار الافتقار إليه والاعتراف بالحاجة إليه هو الموقف الوحيد الذي يليق بحقيقتنا كمخلوقين مرزوقين منعم عليهم.
هذا الموقف هو الذي يحفظ لنا إنسانيتنا الحقيقية، ويحمينا من الوقوع في وهم الألوهية المزيفة، ويمنعنا من الطغيان والكبر والعتو الذي يؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة.
العبادة إذن تذكير دائم مستمر للإنسان بحقيقة وضعه في الكون، وموقعه في الوجود، ومقامه أمام خالقه. إنها تربية عملية للروح والقلب والجوارح على التواضع والخشوع والانكسار الذي يليق بالعبد أمام سيده ومولاه.