لماذا لا يتوقف المؤمن عند الأخلاق فقط؟
Article Summary
وهذا المؤمن الصادق في طلب رضا الله وفي حبه لله، كيف يُعقل أو يُتصور أن يتوقف عند جانب الأخلاق فقط ويهمل الجوانب الأخرى؟ إذا كان صادقًا حقًا في طلب رضا الله، فسيسارع إلى كل ما يُرضيه ويُقربه إليه، سواء كان من العبادات المحضة كالصلاة والصيام والذكر والدعاء، أو من المعاملات الحسنة مع الناس.
هذا المؤمن الصادق لن يقول أبدًّا: "أنا أُحسن إلى الناس وأتعامل معهم بأخلاق طيبة، وهذا يكفيني عند الله". بل سيقول: "ما الذي يُرضي ربي أكثر؟ ما الذي يُحبه مني؟ ما الذي يُقربني إليه؟ دلوني عليه لأسارع إليه وأفعله بأحسن ما أستطيع".
الصادق في طلب رضا الله لن يستنكف أو يتكبر عن السجود له، بل سيجد في السجود لذة القرب من المحبوب. لن يتثاقل أو يتكاسل عن الصلاة له، بل سيجد فيها قرة عينه وراحة قلبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» [صحيح النسائي: 3939]. لن يرى الصيام حرمانًا أو تعذيبًا، بل وسيلة لنيل التقوى والأجر من الله.
لأن كل هذه العبادات في نظره طرق وأبواب ووسائل لإرضاء الحبيب الأعظم، والمحب الصادق لا يترك طريقًا أو وسيلة توصله إلى رضا محبوبه إلا سلكها وأتقنها.
الأخلاق المؤسسة على غير الإيمان
أما من يُحسن إلى الناس ويتعامل معهم بأخلاق طيبة، لكن دافعه في ذلك الناس أنفسهم وليس الله - للسمعة أو المصلحة أو الشعور النفسي أو أي دافع دنيوي آخر - فهذا الإنسان لم يقصد الله أصلاً في عمله، فكيف يستحق جزاء الله وثوابه؟
إنه تمامًا كالأجير الذي يعمل عملاً معينًا لقاء أجرة معينة من شخص معين. فليأخذ أجرته كاملة من الذي عمل لأجله واتفق معه. عمل للناس وقصد رضاهم؟ فليكافئه الناس بالثناء والمدح والذكر الحسن - وهذا ما يحصل فعلاً في الغالب. عمل لإرضاء ضميره وراحة نفسه؟ فليأخذ هذه الراحة النفسية والرضا الذاتي.
أما الآخرة ونعيمها وجنتها، فهي لمن عمل لصاحبها ومالكها، ألا وهو الله رب العالمين. من لم يقصد الله في عمله، فلا حق له في ثواب الله.
والقرآن الكريم واضح صريح في هذا المبدأ العادل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15].
من عمل للدنيا ولأهدافها أُعطي ثوابه منها كاملًا غير منقوص، ومن عمل للآخرة ولربها أُعطي ثوابه منها. والعدل الإلهي يقتضي أن كلًا يأخذ ما استحقّ بحسب نيته وقصده.
العبادات: الميزان الحقيقي للتمييز
وبهذا يتّضح أن العبادات المحضة كالصلاة والصيام والحج والذكر والدعاء هي الميزان الحقيقي والمعيار الدقيق للتفريق بين من يطلب بحسن خلقه وأعماله الطيبة رضا الله تعالى، ومن يطلب بها ما عند الناس من مدح وثناء ومنفعة.
فمن كان يُحسن إلى الناس حقًا لأجل الله، فلن يتردد في عبادة الله والتقرب إليه بما شرع. ومن كان يُحسن إليهم لأجلهم أو لأجل نفسه، فسيجد في العبادة عبئًا ثقيلاً وقيدًا مزعجًا، لأنها لا تخدم أهدافه الدنيوية.