التغير المستمر للمعايير الأخلاقية عبر التاريخ
Article Summary
في عصرنا الحاضر مثلًا، انظر بتأمل وتدبر كيف تتغير "الأخلاق" المقبولة اجتماعيًا بسرعة مذهلة، وكيف يصبح المرفوض أمس مقبولًا اليوم، والمقبول أمس مرفوضًا اليوم، دون أي ضابط ثابت أو مرجعية مستقرة.
قبل خمسين سنة فقط، كان المجتمع الغربي - الذي يُطرح اليوم كنموذج للتقدم والحضارة - يعتبر الشذوذ الجنسي مرضًا نفسيًا خطيرًا وجريمة قانونية يُعاقب عليها القانون. اليوم نفس هذا المجتمع يعتبره "حقًا طبيعيًا" من حقوق الإنسان، ويُعاقب قانونيًا من ينتقده أو يعارضه، ويُدرّسه للأطفال في المدارس كسلوك طبيعي مقبول.
قبل مائة سنة كان الإجهاض - أي قتل الجنين في بطن أمه - يُعتبر جريمة قتل بشعة لا يختلف عليها أحد. اليوم يُسمونه "حرية شخصية" و"حق المرأة في جسدها"، ويُقنّنونه ويُدافعون عنه باستماتة.
والتغيير مستمر بلا توقف. بعض الدول المتقدمة بدأت تناقش "حق" الإنسان في الموت الاختياري (القتل الرحيم)، وربما غدًا يناقشون شرعية أشياء نراها اليوم مستحيلة ومستنكرة. المعايير تتبدل والقيم تتغير والأخلاق تتحول حسب الأهواء والمصالح والضغوط.
اختلاف الثقافات والحضارات
والتغير عبر الزمن واحد من أوجه المشكلة فقط. الوجه الآخر هو الاختلاف عبر المكان والثقافات. فما يعتبره مجتمع معين أخلاقًا عالية، قد يعتبره مجتمع آخر انحلالًا وفسادًا. وما يراه قوم فضيلة وشرفًا، قد يراه آخرون رجعية وتخلفًا.
المجتمعات الشرقية التقليدية تُقدر الاحتشام والحياء والحفاظ على العائلة والتماسك الأسري. المجتمعات الغربية المعاصرة تُقدر الحرية الفردية المطلقة والتحرر من القيود الاجتماعية. فأي النموذجين أفضل أخلاقيًا؟ وبأي معيار نحكم؟
تأثر الأخلاق بالمصالح والأهواء
والمشكلة الأعمق أن البشر عندما يضعون المعايير الأخلاقية بأنفسهم، فإنهم - شعروا أم لم يشعروا - يضعونها حسب مصالحهم وأهوائهم وظروفهم ومنافعهم الشخصية أو الفئوية أو القومية.
الأقوياء يضعون قوانين وأخلاقًا تُبرر قوتهم وتُكرّس هيمنتهم. الأغنياء يُشرّعون قيمًا تحفظ ثرواتهم وتزيد من أرباحهم. المنتصرون في الحروب يكتبون التاريخ بما يُبرّر انتصارهم ويشرعن أفعالهم. كل مجتمع وكل حضارة تُبرّر أفعالها وتُقدسها وتدعو الآخرين إليها، مهما كانت شنيعة في نظر غيرها.
حتى هتلر وستالين وماو تسي تونج وغيرهم من أكبر المجرمين في تاريخ البشرية، كانوا يعتقدون - أو على الأقل يدّعون - أنهم يفعلون "الصواب الأخلاقي" لشعوبهم وأممهم. كل منهم كان له مُنظّروه ومؤيدوه ومبرروه الذين يُبرهنون على أن أفعاله "أخلاقية" و"ضرورية" و"مفيدة".
الفوضى الحتمية بدون مرجعية ثابتة
فإذا تركنا تحديد الأخلاق والقيم للبشر وأهوائهم وآرائهم المتضاربة، فمن الذي يحكم بين هذه الآراء المختلفة؟ من الذي يُرجّح رأيًا على رأي أو قيمة على قيمة؟ لماذا أخلاق الغرب أفضل من أخلاق الشرق؟ لماذا قيم القرن الحادي والعشرين أصح من قيم القرن العاشر؟ بأي معيار نحكم ونُقيم؟
إما أن نقول إن كل الأخلاق نسبية وكل الآراء صحيحة وكل القيم مقبولة - وهذا يعني أن لا شيء صحيح ولا شيء خاطئ، وأن الظالم والمظلوم سواء، والقاتل والمقتول متساويان، وهذا عبث محض. أو نقول إن هناك معيارًا موضوعيًا ثابتًا للأخلاق - وهذا يستلزم مرجعية أعلى من البشر وأهوائهم.
الحاجة الضرورية للمرجعية الإلهية
هنا تأتي الحاجة الماسة والضرورية لمرجعية إلهية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ولا تخضع للأهواء والمصالح والضغوط. الله تعالى الذي خلق الإنسان وصوّره وسوّاه، يعلم حق العلم ما يُصلحه وما يُفسده، وما ينفعه وما يضره، وما يُسعده وما يُشقيه.
يعلم الثابت من الأخلاق الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان، والمتغير الذي يتناسب مع ظروف كل عصر ومجتمع. يعلم الفطرة الإنسانية التي لا تتبدل، والطبيعة البشرية التي لا تتحول، والحاجات الأساسية التي تبقى ثابتة عبر التاريخ.