الأحكام الشرعية: ضمان العدالة والاستقرار
Article Summary
الأحكام الشرعية والقوانين الإلهية إذن هي الضمان الوحيد الحقيقي لوجود معيار أخلاقي ثابت وعادل ومستقر. معيار لا يخضع لأهواء الأقوياء ومصالحهم، ولا يتغير مع موضات العصر وتقلباته، ولا يتأثر بضغوط جماعات المصالح وشعاراتها، ولا يُباع ويُشترى في أسواق السياسة والإعلام.
معيار من خالق البشر الذي يعلم أسرار النفس البشرية وخفايا الطبيعة الإنسانية، ويعلم ما ينفع الناس حقًا وما يضرهم حقًا، بغض النظر عن أهوائهم وأمانيهم ورغباتهم العارضة.
بدون هذه المرجعية الإلهية الثابتة، تبقى البشرية في دوامة لا تنتهي من النسبية الأخلاقية المدمرة، حيث كل شيء صواب وكل شيء خطأ في نفس الوقت، حسب من يحكم ومتى وأين وتحت أي ظروف. وهذه الفوضى الأخلاقية تؤدي حتمًا إلى فوضى اجتماعية وسياسية واقتصادية تهدد استقرار المجتمعات وسلامتها.
الإسلام منهج حياة متكامل لا يقبل التجزئة
بعد هذا العرض المفصل للأسس والأدلة والحجج، يتضح بجلاء تام أن السؤال "لماذا لا تكفي الأخلاق الطيبة لدخول الجنة؟" ينطلق من تصور ناقص ومفهوم مبتور للدين والحياة والوجود الإنساني بجميع أبعاده.
الإسلام منهج حياة متكامل شامل لجميع جوانب الوجود الإنساني. إنه عبادة لله في المسجد، وأخلاق مع الناس في الطريق، وعدالة في الحكم، وأمانة في التجارة، وإحسان في البيت، وصدق في الكلام، وإتقان في العمل، ونظافة في البدن، وطهارة في القلب، وسلام في المجتمع.
الإسلام يريد الإنسان الكامل المتوازن: الذي يسجد لله في خشوع وتذلل، ويُحسن إلى الناس في صدق وإخلاص. الذي يصوم عن الطعام والشراب تقربًا إلى الله، ويُطعم الجائع والعطشان ابتغاء مرضاته. الذي يقوم الليل في عبادة ومناجاة، ويسعى في النهار لخدمة الخلق ونفعهم.
الذي يذكر الله في سره وعلانيته، ويعدل بين الناس في حكمه وقضائه. الذي يتطهر لصلاته، ويطهّر قلبه من الحقد والحسد. الذي يحج إلى بيت الله الحرام، ويحج إلى قلوب الناس بالإحسان والبر.
خطأ التجزئة والانتقائية
والأخلاق بدون عبادة مثل شجرة جميلة المنظر لكن بلا جذور عميقة، قد تبدو خضراء نضرة لفترة، لكنها لن تصمد أمام عواصف الحياة ومحن الدنيا، لأنها لا تستمد قوتها وثباتها من مصدر ثابت لا يتغير.
والعبادة بدون أخلاق كجسد قوي البنية لكن بلا روح تحركه، شكل ظاهر بلا مضمون حقيقي، وحركات خالية من المعاني والمقاصد السامية.
الإسلام يرفض هذه التجزئة المصطنعة والانتقائية المضللة، ويطلب من المؤمن التكامل والتوازن والشمول. فلا يقبل منه أن يكون عابدًا في المحراب ظالمًا في السوق، ولا أن يكون كريمًا مع الناس بخيلاً مع ربه بالعبادة والطاعة.
شهادة الواقع العملي
والتجربة الإنسانية الطويلة - قديمها وحديثها - تثبت صحة هذا المنهج الإسلامي المتكامل. فالمجتمعات التي حققت التوازن الحقيقي بين العبادة والأخلاق، بين حق الله وحق العباد، بين الدنيا والآخرة، هي التي ازدهرت حقًا وحققت السعادة لأفرادها والاستقرار لمجتمعاتها.
أما المجتمعات التي أفرطت في جانب وفرّطت في آخر، فقد دفعت الثمن غاليًا، سواء كان ذلك في صورة تخلف مادي وعلمي، أو في صورة فراغ روحي وتفكك اجتماعي وانهيار أخلاقي.
المجتمعات التي اهتمت بالجانب المادي وأهملت الجانب الروحي، انتشر فيها القلق والاكتئاب والانتحار والإجرام، رغم الثراء والرفاهية. والمجتمعات التي اهتمت بالجانب الروحي وأهملت الجانب المادي، عاشت في فقر وتخلف وضعف، رغم التدين والعبادة.
والحقيقة الكبرى التي لا مفر منها ولا مراء فيها أن الجنة ملك الله وعطاؤه، لا يدخلها إلا من أحب الله حقًا وأراده حقًا وعبده حقًا. ومن أحب الله حقًا وأراده حقًا لن يكتفي بجزء من أوامره ويترك الباقي، ولن يأخذ ما يعجبه من الدين ويرفض ما لا يعجبه.
المحب الصادق لله لن يقول: "أنا طيب الأخلاق مع الناس وهذا يكفيني عند الله". بل سيسأل بشوق ولهفة: "ماذا يريد ربي مني؟ كيف أرضيه أكثر؟ ما هي الطرق التي توصلني إلى حبه ورضاه؟" وسيسارع لتحقيق مراد ربه كاملاً غير منقوص، في العبادة والأخلاق، في السر والعلن، في الصغير والكبير.
أما من اكتفى بجانب الأخلاق وأعرض عن جانب العبادة، فقد أعلن بفعله - شعر أم لم يشعر - أنه لا يريد الله حقًا، بل يريد رضا الناس أو راحة ضميره أو سمعة طيبة أو منفعة دنيوية. وهذا حقه وخياره، لكن من العدل والإنصاف أن لا يطمع في جنة من لا يعبده ولا يعترف بحقوقه كاملة.
خاتمة: طريق الكمال الإنساني
الأحكام الشرعية والعبادات الإسلامية إذن أعباء لإثقال كاهل الإنسان وتعقيد حياته، كما يتوهم بعض الناس. بل هي الطريق الواضح المستقيم الآمن إلى رضا الله وجنته ونعيمه الأبدي.
طريق يجمع بين العبادة الخالصة التي تربط القلب بالله وتغذي الروح وتطهر النفس، والأخلاق السامية التي تُصلح الحياة مع الناس وتحقق العدالة في المجتمع وتنشر المحبة والسلام بين البشر.
في منظومة متكاملة متوازنة شاملة، تلبي جميع حاجات الإنسان: الجسدية والعقلية والروحية والاجتماعية والنفسية. تحقق له السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة، الراحة في الحياة والأمان بعد الموت.
والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم الشامل، وجعل لنا في شريعته الكاملة المتوازنة ما يُغنينا عن تخبط البشر في ظلمات الأهواء والآراء المتضاربة، وما يحقق لنا الكمال الإنساني في أبهى صوره وأجمل معانيه.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم ديننا فهمًا صحيحًا متوازنًا، والعمل به عملاً مثمرًا مقبولاً، وأن يجعلنا من الذين يعبدونه حق عبادته، ويُحسنون إلى خلقه كما يُحب ويرضى. والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.