الرسول ﷺ مبلّغ للقرآن وشارح له: حقيقة الرسالة المحمدية الكام
Article Summary
أما بعد، فمن الشبهات المعاصرة التي تُثار حول السنة النبوية قول بعضهم: "الرسول ﷺ مبلّغ للقرآن فقط، فلماذا تُلزموننا بسنته واتباع أقواله وأفعاله؟ يكفينا القرآن وحده في فهم الدين والعمل به، وما عدا ذلك فهو زيادة لا نحتاجها". هذه شبهة خطيرة تنطوي على فهم قاصر ومبتور لحقيقة مهمة الرسول ﷺ كما بيّنها القرآن الكريم نفسه، وتتجاهل عشرات النصوص القرآنية الصريحة التي تأمر باتباع السنة النبوية وتجعلها جزءًا لا يتجزأ من الدين الإسلامي.
الأرضية المنطقية المشتركة للنقاش
قبل أن ندخل في تفاصيل الأدلة والنصوص والاستدلالات، من المهم أن نضع أرضية منطقية مشتركة لا يمكن لأي عاقل منصف - سواء كان مؤمنًا بحجية السنة أو منكرًا لها - أن يختلف عليها أو ينازع فيها.
الاحتمالات العقلية الممكنة
عندما نتأمل المسألة من الناحية العقلية المجردة، نجد أن الله تعالى - بقدرته المطلقة وحكمته البالغة - أمامه احتمالات متعددة في كيفية إرسال الرسل وتحديد مهامهم:
الاحتمال الأول: أن يرسل رسولًا تكون مهمته الوحيدة والحصرية هي تبليغ كتاب سماوي فقط، دون أن يكون لأقواله الشخصية أو أفعاله الخاصة أو تطبيقاته العملية أو شروحاته التفصيلية أي قيمة تشريعية أو دينية. فيكون هذا الرسول بمثابة ساعي بريد أو ناقل أمين، ينقل الرسالة كما هي ثم تنتهي مهمته.
الاحتمال الثاني: أن يرسل رسولًا ويجعل أقواله وأفعاله وتقريراته وتطبيقاته العملية جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من الرسالة الإلهية، فيكون هذا الرسول مبلغًا للكتاب ومفسرًا له ومطبقًا عمليًا لأحكامه ومشرعًا بإذن الله لما يحتاجه الناس من التفاصيل والجزئيات.
الاحتمال الثالث: أن يرسل رسولًا يبلّغ الكتاب ويكون له دور في التفسير والشرح، لكن دون أن تكون أقواله وأفعاله ملزمة للناس، بل تكون مجرد اجتهادات شخصية يأخذ بها من شاء ويتركها من شاء.
هذه الاحتمالات الثلاثة - وربما غيرها - كلها ممكنة من الناحية العقلية المجردة. فالله قادر على أن يختار أي نموذج من هذه النماذج لرسالته، وكل احتمال منها له حكمة وفوائد يمكن تصورها عقلاً.
ضرورة الرجوع إلى النص الإلهي
وبما أن العقل يحكم بإمكان جميع هذه الاحتمالات ولا يستطيع أن يرجح احتمالًا على آخر بمجرد التفكير المجرد، فإن هذا يعني أننا نحتاج بالضرورة إلى دليل خارجي يبين لنا أي الاحتمالات هو الذي اختاره الله تعالى فعلاً لرسالة محمد ﷺ.
وبما أن القائلين بحجية السنة النبوية والنافين لحجيتها يشتركون في الإيمان بربانية القرآن الكريم وكونه كلام الله المنزل على رسوله، فإن المنطق العلمي والمنهج الصحيح يقتضي أن نحتكم إلى هذا القرآن الكريم لنرى ما الذي يخبرنا به عن طبيعة مهمة الرسول ﷺ وحدود صلاحياته ونطاق طاعته.
فما الذي يقوله القرآن الكريم بوضوح وصراحة عن طبيعة الرسالة المحمدية؟ وما هي المهام التي أوكلها الله إلى رسوله؟ وما هو الموقف الواجب من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتشريعاته؟ هذا ما سيحسم النقاش بشكل موضوعي ونهائي، بإذن الله.
قاعدة مهمة في فهم الأدلة وتقييم قوتها
قبل أن نستعرض الأدلة القرآنية، من المهم أن نتفق على قاعدة منهجية أساسية في التعامل مع النصوص والأدلة، وهي قاعدة معرفية مستقرة في جميع العلوم والمناهج البحثية.
الأدلة من حيث قوة دلالتها على المعنى المطلوب تنقسم إلى نوعين رئيسيين: أدلة يقينية وأدلة ظنية.
الدليل اليقيني هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا محددًا، ويكون واضح الدلالة قطعي الثبوت بحيث لا يمكن تأويله أو حمله على معنى آخر محتمل. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، فهذا نص قطعي في دلالته على وجوب أخذ ما جاء به الرسول والانتهاء عما نهى عنه.
أما الدليل الظني فهو الذي يحتمل أكثر من معنى، أو يوجد فيه احتمال - ولو ضعيف أو بعيد - لفهم غير المعنى الظاهر منه. مثل بعض الآيات التي قد تحتمل تفسيرات متعددة حسب السياق أو اللغة أو التخصيص أو التقييد.
التواتر المعنوي وأثره في إفادة اليقين
والقاعدة المعرفية المستقرة والمتفق عليها أن الدليل اليقيني الواحد يفيد اليقين الكامل بمفرده، وإذا انضم إليه دليل آخر - سواء كان يقينيًا أو ظنيًا - ازداد الأمر يقينًا وقوة ورسوخًا. أما الدليل الظني الواحد فلا يفيد اليقين التام بمفرده، لكن تكاثر الأدلة الظنية وتواردها على معنى واحد محدد يرفعها من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين العلمي.
هذا ما يسميه العلماء "التواتر المعنوي" - حيث تتواتر أدلة متعددة ومتنوعة على معنى واحد فيصبح هذا المعنى يقينيًا قطعيًا لا يحتمل الشك أو النزاع. فمثلًا، لو جاءك خبر واحد من شخص واحد أن زيدًا سافر إلى بلد كذا، قد تشك في صحة هذا الخبر أو تتردد في تصديقه. لكن لو جاءك عشرة أخبار من جهات مختلفة ومصادر متنوعة كلها تؤكد أن زيدًا سافر، يصبح سفره يقينيًا مقطوعًا به عندك، رغم أن كل خبر منفرد كان ظني الثبوت.
تطبيق هذه القاعدة على مسألة حجية السنة
وإذا طبّقنا هذا المبدأ المنهجي على قضية حجية السنة النبوية، نجد أمرًا عجيبًا ومذهلًا. فحتى لو سلّمنا جدلًا - وهو تسليم للمحاججة فقط - أن كل آية قرآنية منفردة ظنية الدلالة على حجية السنة، فإن الكثرة الهائلة لهذه الآيات وتنوعها الواضح وتواردها المستمر على معنى واحد محدد، يجعل حجية السنة النبوية قضية يقينية قطعية لا تحتمل الشك أو النقاش.
فلدينا في القرآن آيات تأمر بطاعة الرسول أمرًا صريحًا مباشرًا، وآيات تحذر من مخالفته تحذيرًا شديدًا بليغًا، وآيات تنفي الإيمان الحقيقي عمن لا يحكّمه في خصوماته ومنازعاته، وآيات تبيّن أن كلامه في أمور الدين وحي من الله وليس من عنده، وآيات تثبت له مهمة البيان والتفسير والتعليم، وآيات تجعله أسوة حسنة واجبة الاتباع في أقواله وأفعاله. كل هذه الآيات المتنوعة - حتى لو كانت ظنية الدلالة كل واحدة منفردة - تتضافر وتتواتر وتتكاثر على معنى واحد لا يحتمل اللبس: وجوب اتباع السنة النبوية والعمل بها.
لكن الحقيقة الواضحة أن في هذه الأدلة القرآنية ما هو قطعي الدلالة بذاته، واضح المعنى، لا يحتمل التأويل أو الصرف عن ظاهره. فآية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7] قطعية في دلالتها، واضحة في معناها، لا تحتمل إلا معنى واحدًا وهو وجوب أخذ جميع ما جاء به الرسول. وآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ مع القسم الإلهي الصريح قطعية الدلالة أيضًا على أن الإيمان الحقيقي لا يتحقق إلا بتحكيم الرسول.
فإذا كانت الأدلة الظنية المتكاثرة تفيد اليقين عند اجتماعها، فكيف إذا انضم إليها أدلة يقينية قطعية الدلالة؟ النتيجة الحتمية: حجية السنة النبوية من أقوى القضايا ثبوتًا ورسوخًا في الإسلام، بل هي من القطعيات الدينية التي لا يسع مسلمًا صحيح الإيمان أن ينكرها أو يتردد فيها.