· · 9 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

مهام الرسول في القرآن أوسع من مجرد التبليغ

Article Summary

بعد استعراض الأدلة القرآنية على حجية السنة، نأتي إلى نقطة مهمة أخرى، وهي أن القرآن الكريم نفسه يبيّن بوضوح تام أن للرسول ﷺ مهامًا متعددة ومتنوعة، التبليغ واحدة منها فقط وليس الوحيدة.

تعدد المهام النبوية في النصوص القرآنية

لقد ذكر القرآن الكريم مهام الرسول ﷺ في آيات متعددة، وفي كل مرة يذكر مهامًا متنوعة تدل على شمولية الرسالة المحمدية وتكاملها.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [النساء: 164].

انظر بتأمل إلى المهام الأربع المذكورة في هذه الآية:

المهمة الأولى: "يتلو عليهم آياته" - وهذا هو التبليغ والقراءة والإعلان، أي نقل النص القرآني من الله إلى الناس كما أُنزل دون زيادة أو نقصان.

المهمة الثانية: "ويزكيهم" - وهذا التربية والتطهير والإصلاح للنفوس والأخلاق والسلوك. فالرسول مربٍ يربي أتباعه على الفضائل ويطهرهم من الرذائل، ويصلح أحوالهم الروحية والأخلاقية. وهذه المهمة لا يمكن أن تتم بمجرد تلاوة النصوص، بل تحتاج إلى تطبيق عملي وقدوة حسنة وتوجيه مستمر.

المهمة الثالثة: "ويعلّمهم الكتاب" - وهذا التعليم والشرح والتفسير والتوضيح. فالرسول معلم يشرح للناس معاني القرآن، ويوضّح لهم أحكامه، ويفسر لهم آياته، ويبيّن لهم مقاصده. وهذا أوسع بكثير من مجرد التلاوة.

المهمة الرابعة: "والحكمة" - وقد فسر جمهور المفسرين من السلف والخلف "الحكمة" هنا بالسنة النبوية، أي الأقوال والأفعال والتقريرات التي صدرت عن الرسول ﷺ لبيان الدين وتفصيل أحكامه. وهذا تصريح قرآني بأن تعليم السنة مهمة مستقلة من مهام الرسالة.

شمولية المهمة النبوية

وفي آية أخرى، يبيّن الله تعالى أن مهمة الرسول تشمل البيان والتوضيح للقرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. فالله أنزل القرآن على الرسول لغاية واضحة محددة، وهي أن يبيّنه للناس.

والبيان هنا - كما هو واضح من معنى الكلمة ومن الواقع التاريخي - يشمل أمورًا كثيرة:

كل هذا البيان النبوي الواسع والشامل هو السنة النبوية بعينها. فإذا كان الله قد أوكل إلى رسوله مهمة بيان القرآن، وكان هذا البيان ضروريًا لفهم القرآن والعمل به، فكيف لا يكون هذا البيان النبوي ملزمًا للأمة؟

العلاقة بين القرآن والسنة

من أقوى الأدلة العملية على ضرورة السنة النبوية وحجيتها، أن القرآن الكريم نفسه بحاجة إلى السنة لفهمه وتطبيقه في كثير من الأحكام والعبادات. فالذي يدعي الاستغناء عن السنة والاكتفاء بالقرآن وحده، سيجد نفسه عاجزًا عن فهم كثير من الآيات وتطبيق كثير من الأحكام.

الصلاة مثال واضح على ضرورة السنة

القرآن الكريم يأمر بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعًا، ويؤكد على أهميتها ومكانتها في الدين. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [القرة: 43]، وقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238]، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].

لكن أين نجد في القرآن:

كل هذه التفاصيل الضرورية لأداء الصلاة بشكل صحيح لا نجدها في القرآن، بل نجدها في السنة النبوية. فمن يقول "نكتفي بالقرآن وحده" كيف سيصلي؟ هل سيترك الصلاة - وهذا كفر بالقرآن الذي أمر بها؟ أم سيخترع لها كيفية من عند نفسه - وهذا ابتداع في الدين؟ أم سيأخذ بالسنة النبوية - وهذا هو الصحيح الذي ندعو إليه؟

الزكاة والحج وبقية العبادات

نفس الأمر ينطبق على بقية العبادات. القرآن يأمر بإيتاء الزكاة في عشرات الآيات، لكن أين نجد فيه:

والقرآن يأمر بالحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، لكن أين نجد فيه:

كل هذه التفاصيل الضرورية التي لا يمكن أداء الحج بدونها موجودة في السنة النبوية، والرسول ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم» [مسلم: 1297]، و«صلوا كما رأيتموني أصلي». [البخاري: 6008، ومسلم: 674].

المعاملات والأخلاق والسلوك

والأمر نفسه في المعاملات والأخلاق والسلوك. القرآن يضع الأسس العامة والمبادئ الكلية، لكن التفاصيل والتطبيقات العملية نجدها في السنة النبوية. فكيف نفهم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] دون الرجوع للسنة التي تبيّن أنواع البيوع المشروعة وأنواع الربا المحرمة؟

وكيف نطبق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] دون الرجوع للسنة التي تبيّن معالم العدل وتطبيقاته العملية في حياة الرسول ﷺ؟

السنة بيان للقرآن وليس إضافة عليه

الحقيقة المهمة التي يجب فهمها أن السنة النبوية في تفاصيلها التشريعية هي بيان للقرآن وتفسير له وتطبيق عملي لأحكامه، وليست إضافة عليه أو تشريعًا مستقلاً عنه. فعندما بيّن الرسول ﷺ كيفية الصلاة، كان يبيّن مراد الله من قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. وعندما فصّل أحكام الزكاة، كان يفصّل مراد الله من قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.

فالسنة والقرآن وحدة واحدة متكاملة، كلاهما من عند الله، وكلاهما ضروري لفهم الدين والعمل به. من أخذ بالقرآن دون السنة أخذ بنصف الدين، ومن زعم الاستغناء عن السنة جعل القرآن ناقصًا غير مكتمل - وحاشا كلام الله من النقص.

الصحابة فهموا أن السنة ملزمة

من أقوى الأدلة على حجية السنة النبوية ووجوب اتباعها، أن الصحابة رضي الله عنهم - الذين عايشوا التنزيل ونزل فيهم القرآن وفهموا الإسلام من مصدره الأول - لم يفرقوا البتة بين القرآن والسنة في وجوب الاتباع والامتثال.

وكان الصحابة يسارعون إلى تنفيذ أمر النبي ﷺ كما يسارعون إلى تنفيذ أمر القرآن، دون تفريق أو تمييز أو تردد. ولم يقل أحد منهم قط: "هذا أمر من الرسول وليس من القرآن، فلسنا ملزمين به"، أو "هذا مجرد رأي شخصي من النبي وليس تشريعًا ملزمًا".

بل العكس تمامًا: كانوا يعتبرون أمر الرسول أمرًا من الله، ونهيه نهيًا من الله، وسنته جزءًا لا يتجزأ من الدين الذي جاء به.

أمثلة عملية من سيرة الصحابة

من الأمثلة الواضحة على ذلك أن النبي ﷺ نهى الصحابة في بداية الأمر عن زيارة القبور، فانتهوا عن ذلك فورًا دون نقاش أو جدال. ثم أذن لهم بعد ذلك في زيارتها فقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة» [صحيح الجامع: 4584]، فامتثلوا للإذن كما امتثلوا للمنع.

ولم يقل أحد منهم: "هذا المنع لم يرد في القرآن، فلسنا ملزمين به"، أو "هذا الإذن مجرد رأي شخصي وليس تشريعًا". بل تعاملوا مع أمره ونهيه كتعاملهم مع أمر الله ونهيه.

ومن الأمثلة أيضًا أن النبي ﷺ أمرهم بصلاة العصر في بني قريظة، فاختلفوا في فهم الأمر: هل المقصود الإسراع في الذهاب أم حقيقة عدم الصلاة حتى الوصول؟ فصلى بعضهم في الطريق وأخّر آخرون الصلاة حتى وصلوا. ولم يعنّف النبي ﷺ أحدًا منهم لأن كلاً اجتهد في فهم مراده.

المهم في هذا المثال أن الجميع اتفقوا على وجوب امتثال أمر الرسول، واختلفوا فقط في فهم المراد منه. لم يقل أحد: "هذا أمر من الرسول وليس من القرآن فلسنا ملزمين به".

موقف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ

وبعد وفاة النبي ﷺ، استمر الصحابة على نفس المنهج: الرجوع إلى سنته والاحتكام إليها في كل المسائل والنوازل. فكانوا يسألون: ماذا كان يفعل النبي ﷺ في مثل هذه الحالة؟ ماذا قال في هذه المسألة؟ كيف كان يتصرف في هذا الموقف؟

وكان من عرف سنة في مسألة معينة يُعلّمها الآخرين، ومن لم يعرف يسأل من يعرف. ولم يقل أحد منهم: "ننتظر حتى نجد لهذه المسألة ذكرًا في القرآن، فإن لم نجد فلسنا ملزمين بشيء. بل إن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".

دلالة إجماع الصحابة

إجماع الصحابة على حجية السنة واعتبارها مصدرًا تشريعيًا ملزمًا له دلالة عظيمة، لأن الصحابة:

أولًا: هم أفهم الناس للإسلام بعد النبي ﷺ، فقد تلقوه مباشرة من مصدره وعايشوا تطبيقه العملي.

ثانيًا: هم أحرص الناس على اتباع الحق والصواب، فلا يمكن أن يتفقوا جميعًا على باطل.

ثالثًا: هم الذين نزل فيهم القرآن وشهدوا أسباب النزول، فهم أعرف بمراد الله من آياته.

رابعًا: النبي ﷺ زكّاهم وأثنى عليهم، وقال: «خير الناس قرني» [البخاري: 2651، ومسلم: 2533]، فشهادة النبي لهم تؤكد صحة منهجهم.

فإذا كان الصحابة جميعًا - على اختلاف قبائلهم وبلدانهم ومستوياتهم العلمية - قد أجمعوا على حجية السنة ووجوب اتباعها، فهل نحن اليوم أفهم للإسلام منهم؟ وهل يصح أن نخترع فهمًا جديدًا للدين يخالف فهمهم؟

خاتمة: وحدة لا تنفصم بين القرآن والسنة

بعد هذا العرض المفصل للأدلة القرآنية والأمثلة العملية والشواهد التاريخية، تتضح لنا حقيقة قرآنية راسخة لا يمكن لمنصف أن ينكرها أو يتردد فيها: القرآن الكريم نفسه - الذي يدعي البعض الاكتفاء به دون السنة - هو الذي يأمرنا بطاعة الرسول واتباع سنته والعمل بأقواله وأفعاله.

هذا الأمر القرآني بطاعة الرسول واتباع السنة وارد في القرآن في عشرات الآيات وبصيغ مختلفة وسياقات متنوعة، مما يدل على أهميته القصوى وضرورته المطلقة. فالقرآن يأمر بطاعة الرسول، ويحذر من مخالفته، وينفي الإيمان عمن لا يحكّمه، ويقسم الله بنفسه على ذلك، ويبين أن كلامه في الدين وحي، ويجعله مبيّنًا للقرآن ومعلمًا للحكمة، ويأمر بالاقتداء به في الأقوال والأفعال.

كل هذا واضح صريح محكم لا يحتمل التأويل أو التحريف أو الصرف عن ظاهره. فمن ادعى الإيمان بالقرآن وهو يرفض السنة، فقد وقع في تناقض صارخ لا يخفى على أحد.

ثم إن القرآن الكريم نفسه يحتاج إلى السنة النبوية لفهمه وتطبيقه في معظم العبادات والمعاملات والأخلاق. فالذي يريد أن يصلي كما أمر الله، ويزكي كما شرع الله، ويحج كما فرض الله، ويصوم كما رسم الله، لا يجد التفاصيل والكيفيات إلا في السنة النبوية.

فإما أن يأخذ بالسنة ويعمل بها - وهذا هو الطريق الصحيح، أو يترك هذه العبادات - وهذا كفر صريح بالقرآن الذي أمر بها، أو يخترع لها كيفيات من عند نفسه - وهذا ابتداع في الدين وتحريف له.

والخيار الأول هو الوحيد المعقول والصحيح والمقبول. فالسنة النبوية بيان للقرآن وتفسير له وتطبيق عملي لأحكامه، وليست إضافة عليه أو منافسة له أو استغناء عنه.

والعجيب حقًا أن من ينكر حجية السنة يخالف بذلك القرآن الذي يدعي اتباعه، ويخالف فهم الصحابة الذين نزل فيهم القرآن وعايشوا تطبيقه، ويخالف إجماع الأمة الإسلامية عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان.

فمن أين جاء هذا الفهم المحدث الذي يدعي الاكتفاء بالقرآن وحده؟ ومتى ظهر في تاريخ الإسلام؟ ومن هم أعلامه من السلف الصالح؟ ولماذا لم يفهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم والأئمة المجتهدون؟

الحقيقة الواضحة أن هذا الفهم وليد عصور متأخرة، ونتاج تأثيرات فكرية خارجية، ومحاولة لتفريغ الإسلام من محتواه التطبيقي العملي وتحويله إلى مجرد مبادئ عامة فضفاضة يفهمها كل إنسان كما يشاء.

الحق الذي لا مراء فيه أن القول بعدم حجية السنة مخالفة صريحة للقرآن وليس اتباعًا له. والقول بأن الرسول مجرد مبلغ تقزيم للرسالة المحمدية وليس فهمًا لها. والقول بالاكتفاء بالقرآن وحده تعطيل لمعظم أحكامه وليس عملاً به.

القرآن والسنة وحدة واحدة لا تنفصم، كلاهما من عند الله، كلاهما وحي إلهي، كلاهما واجب الاتباع والعمل. من أخذ بأحدهما دون الآخر فقد أخذ بنصف الدين، ومن رد السنة فقد رد القرآن، ومن رد القرآن فقد خرج من الدين.

هذه حقيقة قرآنية راسخة وثابتة، لا يمكن إنكارها إلا بإنكار القرآن نفسه، ولا يمكن تجاهلها إلا بتجاهل نصوص صريحة محكمة لا تحتمل التأويل.

والحمد لله الذي جعل دينه واضحًا بيّنًا مكتملًا، وحفظ لنا كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم، وجعل فيهما الهداية التامة والنور المبين والصراط المستقيم. نسأل الله أن يوفقنا لفهم ديننا فهمًا صحيحًا، والعمل به عملاً مثمرًا، والدعوة إليه دعوة حكيمة. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.