· · 6 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

المساجد والتنمية: رد على شبهة المفاضلة الخاطئة

Article Summary

أما بعد، فمن الشبهات المتكررة في عصرنا قول بعضهم: "لماذا ننفق الأموال على بناء المساجد بدلًا من بناء المستشفيات والجامعات والمصانع؟ أوليست الصحة والتعليم والاقتصاد أولى من بناء المساجد؟ أليس الله غنيًا عن هذه المباني؟". وهذه شبهة تحتاج إلى تفكيك دقيق، لنكشف الخلل في أساسها والحكمة في بناء المساجد.

الأخطاء المنهجية في الشبهة

الخطأ الأول: افتراض التعارض الوهمي

السؤال "لماذا نبني المساجد بدلًا من المستشفيات؟" يحمل معه افتراضًا خاطئًا، وهو وجود تعارض حتمي بين الأمرين. وهذا الافتراض ينطلق من رؤية مادية بحتة تختزل حاجات الإنسان في الجانب الجسدي والعقلي، متجاهلة البُعد الروحي الذي يشكّل جانبًا أساسيًا من كينونته.

والواقع الملموس يكذب هذا الافتراض من جذوره. فمعظم المساجد في العالم الإسلامي تُبنى بتبرعات خاصة من المحسنين الذين يخصصونها لهذا الغرض تحديدًا، وهؤلاء المحسنون أنفسهم يساهمون في بناء المستشفيات والجامعات والمشاريع التنموية. ومن يقرأ سجلات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية يجد أن أكثر المتبرعين للمشاريع الخيرية هم أولئك الذين يحرصون على بناء المساجد وعمارتها.

بل إن الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم في الدول الإسلامية يفوق بمراحل ما يُنفق على بناء وصيانة دور العبادة. خذ مثلًا المملكة العربية السعودية: الميزانية المخصصة للصحة والتعليم تُقدر بمئات المليارات سنويًا، بينما تكلفة بناء وصيانة جميع المساجد في المملكة لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من هذا المبلغ. والأمر نفسه ينطبق على معظم الدول الإسلامية.

الإسلام - منذ بدايته - أمر بتلبية جميع احتياجات الإنسان دون استثناء. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. فالآية الكريمة تأمر بالتوازن الكامل بين متطلبات الآخرة ومطالب الدنيا، دون أن تجعل أحدهما على حساب الآخر.

والنبي ﷺ نفسه - وهو القدوة العملية للمسلمين - بنى المسجد وأمر بالتداوي، حث على الصلاة وحث على طلب العلم، رغّب في الذكر ورغّب في العمل والكسب. سئل ﷺ عن أحب الناس إلى الله؛ فأجاب: « أنفعهم للناس» [السلسلة الصحيحة: 2/ 575 - 576]، وقال أيضًا: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة» [البخاري: 450، ومسلم: 533]. كلا الحديثين يشيران إلى عمل صالح مطلوب ومثاب عليه، دون أدنى تعارض بينهما.

والدليل العملي على هذا التوازن أن المسجد النبوي في المدينة كان أول بناء أسسه النبي ﷺ، ومع ذلك لم يمنعه هذا من الاهتمام بتطوير الزراعة والتجارة والصناعة في المدينة، والاتفاق مع اليهود على معاملات اقتصادية، وإرسال البعثات التجارية، وتنظيم الأسواق. بل إن المسجد نفسه كان يُستخدم لاجتماعات التخطيط الاقتصادي والعسكري والاجتماعي.

الخطأ الثاني: الانتقائية المفضوحة

تركيز السؤال على المساجد تحديدًا - دون غيرها من المنشآت التي تستهلك موارد ضخمة دون عائد تنموي واضح - يكشف عن انحياز واضح يستهدف الجانب الديني تحديدًا.

والأمثلة على هذه الانتقائية كثيرة ومفضوحة. الملعب الرياضي الواحد في الدول المتقدمة يكلف مئات الملايين، بل قد تصل تكلفة بعض الملاعب إلى مليار دولار أو أكثر، وهو مبلغ يكفي لبناء عشرات المستشفيات المتخصصة. ملعب "ويمبلي" في لندن كلف أكثر من مليار دولار، وملعب "ميتلايف" في نيويورك كلف 1.6 مليار دولار، وملعب "أليجيانت" في لاس فيغاس كلف 1.9 مليار دولار. ومع ذلك لا نسمع من يثير السؤال: "لماذا نبني الملاعب بدلًا من المستشفيات؟"

دور السينما والملاهي والكازينوهات تستنزف مليارات الدولارات سنويًا في البناء والتشغيل، دون أن تقدم أي عائد حقيقي للصحة أو التعليم أو التنمية البشرية. بل العكس: كثير من هذه المؤسسات تساهم في تدهور الصحة النفسية والاجتماعية للمجتمعات. فالكازينوهات تخلق إدمان القمار وتدمر الأسر اقتصاديًا، ودور السينما في كثير من الأحيان تروج للعنف والإباحية والقيم الهدامة.

والدليل الواضح على أن كثرة هذه المؤسسات لا تعني تقدمًا حقيقيًا أن دولًا مثل الفلبين وتايلاند والبرازيل والأرجنتين مليئة بدور السينما والملاهي والمراقص والحانات، ومع ذلك تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية وصحية مزمنة. فلا العدد الهائل من دور الترفيه حسّن من اقتصادها، ولا كثرة الملاهي رفعت من مستوى تعليمها، ولا انتشار الحانات قلل من معدلات الجريمة فيها.

أما الإنفاق على الإعلانات والدعاية، فحدّث ولا حرج. شركة واحدة مثل "كوكا كولا" تنفق على الدعاية سنويًا أكثر مما تنفقه دول بأكملها على بناء المساجد والمستشفيات مجتمعة. وما فائدة هذا الإنفاق الهائل؟ إقناع الناس بشراء مشروبات ضارة بصحتهم! فأين السؤال: "لماذا ننفق المليارات على دعاية المشروبات الضارة بدلاً من المستشفيات؟"

هذه الانتقائية الواضحة تكشف أن جوهر السؤال يستهدف الدين والتدين، وأن الحرص المزعوم على الأولويات التنموية مجرد ذريعة لتمرير هجوم مقنع على المؤسسات الدينية.

الخطأ الثالث: الفهم الخاطئ لطبيعة الإنسان

الشبهة تنطلق من رؤية مادية بحتة تختزل الإنسان في جسد يحتاج إلى علاج وعقل يحتاج إلى تعليم، متجاهلة الجانب الروحي الذي يشكل البُعد الثالث والأساسي في الكينونة الإنسانية.

والواقع المشاهد في المجتمعات المعاصرة يؤكد أن إشباع الجانبين المادي والعقلي فقط - مع إهمال الجانب الروحي - يؤدي إلى كوارث نفسية واجتماعية مدمرة، حتى لو توفرت أفضل المستشفيات وأرقى الجامعات.

خذ مثلًا كوريا الجنوبية، هذه الدولة التي حققت نموًا اقتصاديًا مذهلًا وتقدمًا تقنيًا باهرًا، وتمتلك نظامًا صحيًا متقدمًا ونظامًا تعليميًا راقيًا. ومع ذلك تواجه كوريا الجنوبية اليوم أزمة روحية حادة تتمثّل في معدلات انتحار مرتفعة جدًا (تحتل المرتبة الثانية عالميًا في معدل الانتحار).

الأمر نفسه نراه في الدول الاسكندنافية مثل السويد والنرويج والدنمارك، التي تُعتبر من أكثر دول العالم تقدمًا في المجالات الصحية والتعليمية والاقتصادية. هذه الدول تملك أنظمة رعاية صحية مجانية وشاملة، وجامعات من أرقى ما يوجد في العالم، ومستويات دخل عالية جدًا. ومع ذلك تشهد نسبًا متزايدة من الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة والفراغ الوجودي، حتى أن أكثر من نصف الأسر في السويد مكونة من شخص واحد فقط، وهو مؤشر خطير على تفكك النسيج الاجتماعي.

هذه الدول تنفق مليارات الدولارات على العلاج النفسي والأدوية المضادة للاكتئاب، وتشهد نموًا هائلاً في "صناعات السعادة" المزعومة مثل مراكز التأمل واليوغا والعلاجات الروحانية البديلة. الناس هناك يبحثون بشكل محموم عن المعنى والهدف والسكينة الروحية، رغم توفر كل الإمكانيات المادية والعلمية لديهم.

هذا البحث المحموم عن البدائل الروحية في المجتمعات المتقدمة ماديًا يؤكد حقيقة أساسية: الإنسان كائن متعدد الأبعاد، والحاجة إلى الارتباط بالمطلق والبحث عن المعنى والهدف من الوجود حاجة إنسانية أساسية لا تقل أهمية عن الحاجة للطعام والشراب والعلاج.

المسجد ومقاصده الشاملة

المقصد الأول: بيت لعبادة الخالق

قبل أي اعتبار آخر، المسجد هو بيت الله، مكان مخصص لعبادة الخالق الذي أوجدنا من العدم، والذي منحنا نعمة الوجود والعقل والإرادة والكرامة. هذا الخالق الذي كرّمنا وفضّلنا على كثير من خلقه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

ولولا هذا التكريم الإلهي والاعتراف بأن الله هو الخالق، لكان الإنسان مجرد حيوان متطور لا يختلف في قيمته عن أي مخلوق آخر. فما يُميز الإنسان عن البهيمة أنه يدرك أن له خالقًا يستحق العبادة، وأن وجوده لغاية أسمى من مجرد الأكل والشرب والتناسل والموت.

عندما نبني مسجدًا، فإننا نعلن عدة أمور في غاية الأهمية:

أولًا، اعترافنا بفضل الله علينا وشكرنا له على نعمة الوجود والهداية.

ثانيًا، إقرارنا بأن غاية وجودنا تتجاوز الحياة المادية لتشمل عبادة الخالق والاستعداد للدار الآخرة.

ثالثًا، إعلاننا أن القيم الأخلاقية والمبادئ الروحية لها مصدر علوي ثابت، وأنها أساس أي حضارة إنسانية حقيقية.

المسجد يذكّر الإنسان بهويته الحقيقية وغايته الكبرى، ويرفعه من مستوى الانغماس في الماديات إلى مستوى التطلع للسمو الروحي. وهذا التذكير ضروري للإنسان لأنه بطبيعته ينسى ويغفل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: 115].

المقصد الثاني: مركز التربية الشاملة

المسجد يُخرّج أجيالًا مُربّاة على القيم والمبادئ التي تشكل الأساس الحقيقي لأي نهضة حضارية. وهذه التربية لها خصائص فريدة لا يمكن لأي مؤسسة أخرى أن تقدمها بنفس العمق والأثر.

في المسجد يتعلم الطفل منذ نعومة أظفاره أن هناك رقيبًا أعلى من أي سلطة أرضية، وأن الصدق واجب حتى لو لم يراه أحد من البشر، وأن الأمانة فريضة حتى مع من لا يعرفك ولا يستطيع محاسبتك. هذه التربية الإيمانية تبني ضميرًا حيًا يراقب الإنسان من الداخل، وهو ما لا تستطيع القوانين الخارجية وحدها أن تحققه.

الطفل الذي ينشأ في كنف المسجد يتشرب قيمًا أساسية مثل: العدل والإنصاف حتى مع الأعداء، والرحمة والشفقة بالضعفاء والمحتاجين، والصبر والثبات في وجه المحن، والتواضع وعدم التكبر على الناس، والكرم والإيثار والتضحية من أجل الآخرين، والوفاء بالعهود والمواثيق مهما كانت الظروف.

هذه المنظومة القيمية الشاملة تخلق شخصية متوازنة قوية، تتمتع بمناعة أخلاقية ضد الفساد والانحراف. والأهم من هذا أنها تخلق دافعية ذاتية للعمل والإنتاج والإبداع، انطلاقًا من الإيمان بأن العمل عبادة وأن الإتقان مطلوب شرعًا.

والمقارنة واضحة بين المجتمعات التي تهتم بالتربية الإيمانية والمجتمعات التي تركز على التعليم المادي فقط. فما فائدة الطبيب الذي يتلاعب بالتقارير الطبية لابتزاز المرضى؟ وما قيمة المهندس الذي يغش في مواصفات البناء فيقتل الأبرياء؟ وما نفع المدرس الذي يبيع النجاح للطلاب؟ الخلل في هؤلاء أنهم تعلموا العلم دون أن يتربوا على القيم.