الإيمان بالغيب والكون المجهول: كيف نفهم ما لا نراه؟
السؤال 321
الإيمان بالغيب والكون المجهول: كيف نفهم ما لا نراه؟
ملخص الجواب
عدم رؤية الشيء لا يدل على عدمه؛ الإيمان بالغيب في الإسلام قائم على دليل عقلي وصدق المخبر، لا على قبول كل مجهول، مع التفريق بين الغيب المطلق والنسبي.
الجواب
شكرًا لك على هذا السؤال العميق؛ لأن الإنسان يتعامل يوميًا مع أشياء لا يراها مباشرة، لكنه يعرفها من خلال آثارها أو الأخبار الموثوقة عنها.
عدم رؤية الشيء لا يعني عدم وجوده. فالإنسان لا يرى الجاذبية ذاتها، لكنه يرى آثارها، ولا يشاهد عقول الآخرين أو مشاعرهم مباشرة، لكنه يستدل عليها من أقوالهم وأفعالهم. بل إن أعز ما يملكه الإنسان — حب أمه له — لم يره قط بعين، وإنما عرفه بآثاره، ولا يشك فيه.
ويقوم الإيمان بالغيب في الإسلام على دليل، لا على قبول كل ما هو مجهول. فالعقل ينظر أولًا في دلائل وجود الله وصدق الرسول وثبوت الوحي. فإذا ثبت صدق المخبر، أصبح خبره عما لا تدركه الحواس مصدرًا معتبرًا للمعرفة.
قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. وليس المقصود أنهم يؤمنون بلا برهان، بل أنهم لا يحصرون الوجود في نطاق ما تراه أعينهم؛ فالحواس محدودة ولا تدرك إلا جزءًا من الواقع.
كما يفرق الإسلام بين الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله إلا ما أوحاه إلى رسله، وبين ما هو غائب عن شخص وقد يكون معلومًا لغيره. وما كان من الغيب الديني، كالملائكة والبعث، يُعرف من الوحي الصحيح.
والمنهج المتزن لا ينكر ما وراء الحس لمجرد أنه غير مشاهد، ولا يقبل كل دعوى غيبية بلا دليل. بل يسأل عن إمكان الأمر ومصدر الخبر وصدق الناقل.