كيف يفسّر الإسلام وجود الإضلال في ظل عدل الله ورحمته؟
السؤال 293
كيف يفسّر الإسلام وجود الإضلال في ظل عدل الله ورحمته؟
ملخص الجواب
الإضلال ليس إجبارًا على الكفر، بل تخلية بعد إصرار وعناد؛ ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ تبدأ بزيغهم، فالإزاغة عقوبة لاحقة لا قضاء سابق.
الجواب
شكرًا لك على هذا السؤال الحساس؛ لأن نسبة الهداية والإضلال إلى الله قد تُفهم خطأ إذا عُزلت عن بقية النصوص.
يقرر الإسلام أن الله لا يظلم أحدًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وليس معنى الإضلال أن الله يجبر إنسانًا محبًا للحق على الكفر ثم يعاقبه عليه. بل تبيّن النصوص أن من صوره أن يترك الله الإنسان لطريق اختاره بعد قيام الحجة عليه وإصراره على العناد، أو أن يعاقبه بحرمانه من مزيد التوفيق بسبب انحرافه المتعمد.
وتأمل ترتيب هذه الآية: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. فقد بدأت بزيغهم واختيارهم الانحراف، ثم ذكرت ما ترتب عليه؛ فالإزاغة عقوبة لاحقة لا قضاء سابق. وفي المقابل قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وهي على الترتيب نفسه: اهتدوا أولًا فزادهم.
ويقرب هذا ما نعرفه في أنفسنا؛ فمن ترك الحركة طويلًا ضعفت قدرته عليها، ومن أدمن تجاهل صوت ضميره خفت حتى لا يكاد يسمعه. وليس هذا عقوبة تأتيه من خارجه فحسب، بل هو أثر فعله في نفسه.
وبذلك تكون الهداية فضلًا وعدلًا، ويكون الإضلال عقوبة عادلة في حق من أعرض بعد البيان، لا ظلمًا لإنسان لم تُتح له فرصة الاختيار.
ومع هذا، لا يجوز للبشر أن يجزموا بمصير شخص معين؛ فالله وحده يعلم ما بلغه من الحق، وما في نفسه، وما قام به من بحث أو تقصير.